مزرعة اسلامية ،منتديات الإسلام دين الرحمة
منتديات الإسلام دين الرحمة



 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخولدليل المواقع الاسلامية

شاطر | 
 

 سلسلة إحياء مذهب الصحابة وفقه الصحابة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
بشار بن برد
Admin
avatar

المساهمات : 500
تاريخ التسجيل : 24/06/2011

مُساهمةموضوع: سلسلة إحياء مذهب الصحابة وفقه الصحابة   الأربعاء مارس 14, 2012 4:56 pm



سلسلة إحياء مذهب الصحابة وفقه الصحابة


[center]الرسالة الثانية


لماذا التقيد بمذهب
الصحابة وفهم الصحابة



رضى الله عنهم


إعداد الشيخ


أبو سلمان


عبد الله بن محمد
الغليفى



رحمه الله








غليفة – مكة المكرمة














بسم الله الرحمن الرحيم





التقيد بمذهب الصحابة
وفهم الصحابة


المقدمة


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه
ومن اقتفى آثاره واتبع سنته إلى يوم الدين



أما بعد


فإنه مما يلاحظ على بعض طلبة العلم المنتسبين إلى دعوة
الكتاب والسنة وعلى فهم سلف الأمة قصورهم في فهم مدلول أصل عظيم تميزوا به عن كل
الفرق الضالة المنحرفة عن منهج أهل السنة والجماعة وهذا الأصل هو أن يكون
"فهم الكتاب والسنة على ماكان عليه الصحابة و السلف الصالح "هذا الأصل
الذي يقول به كل سلفي ولكن عندما تتعمق مع البعض في تفاصيل هذا الأصل تجد من البعض
عدم وضوح بعض هذه التفاصيل الهامة جدا وعدم العناية الجادة به مع أن كثيرا من
المسائل الفرعية تبنى عليه مما أدى إلى كثرة الخلافات عند أبناء المنهج السلفي
الواحد ,وإلى هذا التفرق والتشرذم وأدى أيضا إلى هذا الجدل العقيم.



ولهذا كان لزاما على المنتسبين لهذه الدعوة المباركة أن
يعتنوا بهذا الأصل العظيم شرحا وتدريسا حفظا وفهما تأصيلا وتفريعا حتى يلتئم الجرح
ويستقيم البناء .



وأحب أن أنبه في هذه المقدمة أنه يجب أن نتلقى ونستمد
هذه التأصيلات وغيرها ممن عرفوا بالإمامة والرسوخ في العلم النافع-ماكان عليه رسول
الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه -والذين اشتهروا بالتحقيق والتقعيد السليم وذلك
حتى نفهم الأصول على مرادها الصحيح بيضاء نقية ولأن بهذه الأصول تبنى كثير من
الجزئيات لذلك وجب الحرص والعناية على ذلك,فمن عرف بكثرة المخالفات لا ننظر إليه
في هذا الباب لأن كثرة المخالفات في الجزئيات تعود غالبا إلى خلل في أصل ما والله
المستعان.



ومن الأئمة الذين عرفوا بالإمامة والرسوخ وكتبت تحريراتهم
وتحقيقاتهم في هذه المسألة وفي غيرها الشافعي وأحمد بن حنبل وابن تيمية وتلاميذه
كابن القيم وابن رجب وابن كثير وغيرهم رحمهم الله تعالى,وشيخ الإسلام محمد بن عبد
الوهاب وأولاده وأحفاده وتلامذته من أئمة الدعوة وكبار العلماء واللجنة الدائمة ,
رحم الله الجميع .



وليس معنى التقيد بفهم الصحابة وقول الصحابة وإجماعهم أن
نلغى جهود أهل العلم أو نقلل من شأنهم – حاشا وكلا – بل هم الذين حملوا العلم وعملوا
به ونقلوه إلينا كما سمعوه فهم تلقوه كابرا عن كابر بالسند المتصل إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم



ولذلك قال أهل العلم


إن استطعت أن لاتحك رأسك إلا بأثر فافعل


وقالوا :لاينبغى
لطالب العلم أن يتكلم فى أى مسألة إلا وله فيها سلف من الأئمة الأعلام المشهود لهم
بالعلم ,فإن الله تعبدنا بالدليل ,وطالب العلم ماهو إلا ناقل للدليل وأقوال أهل
العلم الموضحة له والدالة عليه وهذا مانقوم به ولانزيد,فديننا دين
اتباع وليس دين ابتداع



أما قولنا فهم الصحابة وليس سلف الأمة ,فلأنه فى زماننا قد نبتت نابتة سوء حرفوا كلمة سلف الأمة وجعلوها تابعة
لأهوائهم فابتدعوا فى دين الله بدعا شنيعة ونسبوها إلى السلف والسلفية ,بل
واستدلوا بالمتشابه من كلام السلف فى أصول الدين والتوحيد والشرك والإيمان والكفر
ونسبوا ذلك للسلف وهنا تكمن الخطورة والتلبيس والتدليس ,فوجب البيان ورفع الالتباس



وقصدنا من كل ماكتبناه
أن نقول لهم ولغيرهم أن هذا هو مذهب الصحابة ولم يخالف فى ذلك أحد من أهل
العلم وسلف الأمة من عصر التابعين إلى يومنا هذا كلهم على هذا المعتقد الصافى فليس
لكم فيما زعمتم سلف صالح , نعم لكم سلف من أهل البدع والأهواء المخالفين للصحابة
وسلف الأمة ’وقد رد السلف الصالح بدعتهم
وتصدوا لها وشنعوا عليهم وبدعوهم وهجروهم وأغلظوا لهم القول وقد بينا أن ذم السلف
كان متوجه للمرجئة الفقهاء الذين يخرجون الأعمال من أصل الإيمان وفصلنا القول فى
كتابنا (مجمل أقوال السلف وكبار العلماء فى ذم المرجئة والإرجاء) وأردنا من
ذلك أن نبين ونثبت لكل طالب حق أن مسائل الأصول وفاقية لاخلاف فيها عند الصحابة
وسلف الأمة بينها الله ورسوله بيانا شافيا ,ومن ذلك اسم مرتكب الشرك ,وتارك أعمال
الجوارح بالكلية ,والمبدل لدين الله المغير لشريعته ,لاختلاف بينهم فى كفر هؤلاء
’ومن يدعى الخلاف فعليه الدليل ,مع أنه لايستطيع أن يحكيه عن أحد من السلف الصالح
رحمهم الله تعالى ورضى عنهم بل ينسبه نسبة مطلقة كقوله –المسألة فيها خلاف- ويسكت



ونحن عندما نتكلم فى المسألة نتكلم بطريقة الإستقراء
والتتبع فننقل الأدلة من القرآن والسنة ,ثم فهم الصحابة لهذه الأدلة ,ثم فهم
التابعين وتابعيهم ومن تبعهم من الأئمة الأعلام وشيوخ الإسلام إلى عصرنا مما يدلك
على وفاقية المسألة عند أهل السُنة والجماعة مع تقديم فهم الصحابة كما قال بذلك
سلف الأمة ,وإن خالف السلف رحمهم الله
الصحابة رضى الله عنهم أخذنا بقول الصحابة قطعا عملا بالدليل وإجماع السلف
,مع أن المسائل التى خالف فيها بعض الأئمة الصحابة ليست من مسائل الأصول ولا
الإيمان والكفر,فإذا ثبت إجماع الصحابة وجب العمل به وإن خالف فيه من خالف ,مع
الإعتزار للمخالف فإن باب العذر واسع فربما لم يبلغ المخالف الإجماع أو بلغة
وتأوله بنوع تأويل كما ذكر ذلك شيخ الإسلام فى كتابه رفع الملام



ومن هذه المسائل
على سبيل المثال لاالحصر



1-
فقد نقل غير واحد إجماع الصحابة على منع بيع أمهات الأولاد وخالف فيه من
خالف من الأئمة



2-
ومن ذلك أيضا إجماع الصحابة على نقض عهد الذمى بسب النبى صلى الله عليه
وسلم وخالف فيه من خالف من الأئمة
كالأحناف ووجه عند الشافعية



3-
ومن ذلك اشتراط المرأة على الرجل ألا يتزوج عليها ولا يتسرى ولايخرجها من
دارها أو بلدها فقد حكى بن القيم إجماع الصحابة على أن الشرط لازم مع مخالفة من
خالف من الأئمة



4-
ومن ذلك الإجماع القديم على طهارة بول وروث مايؤكل لحمه وخالف فيه أبو حنيفة والشافعى كما ذكر ذلك شيخ
الإسلام



5-
إجماع الصحابة على أن سجود التلاوة غير واجب مع مخالفة الحنفية فيه


6-
الإجماع على حل ذبائح أهل الكتاب وحل نسائهم وجواز أخذ الجزية منهم وخالف فى ذلك الشافعى فى كتابه الأم وحرره شيخ
الإسلام



7-
ومن ذلك الإجماع على منع الرجوع فى الوقف مع مخالفة أبى حنيفة رحمه الله ونظائر
هذا كثيرة تركتها خشية الإطالة ,والخلاصة من كل ذلك أن كلام السلف موافق لكلام
الصحابة رضى الله عنهم وعند الاختلاف يؤخذ بقول الصحابة وفهم الصحابة وإجماع
الصحابة وهذا ماعليه السلف الصالح والأئمة الأعلام وشيوخ الإسلام ونحن على آثارهم
مقتدون ولأثارهم مقتفون على نور وهدى لاعلى ضلالة وعمى وأكبر دليل على ذلك
احتجاجنا بكلام السلف وذكرنا لأقوالهم وتعظيمنا وحبنا لهم واعترافنا بفضلهم ولن نرضى
أبدا أن ينسب لهم مالم يقولوه وعلينا تحرير أقوالهم وتحقيق علمهم ونسبة القول
إليهم فى المسائل التى بحثوها وحققوها ولهم قول فيها ,أما المسائل التى هى من باب
فقه النوازل والمستجدات فلعلماء أهل السنة والمجامع الفقهية دور عظيم فى ذلك ونحن
نأخذ به وندل عليه وننشره بين طلبة العلم هذه هى عقيدتنا مبثوثة فيما كتبناه
فلينظر فيها أهل العلم والعدل والإنصاف
فكل ماخالف الدليل وما عليه أهل السنة
والجماعة وسلف الأمة من الأئمة الأعلام وشيوخ الإسلام فأنا راجع عنه متبرئ
منه فما أنا إلا ناقل لأقوالهم مقتفٍ لآثارهم



ومن ذلك كانت هذه الرسالة .





اللهم أرنا الحق حق وارزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطل
وارزقنا اجتنابه.



وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم


عبد الله بن محمد الغليفى


غليفة – مكة المكرمة

















أولاً:تعريف
الصحابى



وقبل أن ندخل فى البحث نود أن نعرف من هو الصحابى


فالصحابي هو من لقي النبى صلى الله عليه وسلم وأمن به
ومات على ذلك ولو تخلل ذلك ردة على الصحيح من أقوال أهل العلم ,وقلنا لقى ولم نقل
رأى لأنها أعم من الرؤية ويدخل فيها من لقيه ولم يراه كالأعمى مثلاً فابن أم مكتوم
رضى الله عنه صحابى ولاشك فى صحبته وهو لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه لم
يراه



ثانياً: معنى الإتباع


الإتباع هو الأصل في ديننا بل هو الدين كله


قال الله تعالى
(ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه إلى الله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا)وقال
تعالى(اتبع مايوحى إليك من ربك)



معنى الإتباع لغةً:السير في طريق مسلوك


والإتباع الشرعي يعني :السير على طريق من رضي الله عن سيرهم


قال تعالى (واتبع سبيل من أناب إلى)


(والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه)


ومن هنا نعلم أن للإتباع شرطيين:


1-لغوي:وهو أن يكون
العمل أو القول مسبوقا به



2-شرعي:وهو أن يكون العمل أو القول صادرا ممن
أناب إلى الله تعالى والمنيبون لا يعرفون إلا بتزكية الله ورسوله لهم.



أما الابتداع لغة:فهو إحداث طريق جديد لم يسلك أو اختراع قول لم يسبق وابتداء فعل لم يفعل.


وأهل السنة والجماعة يتسمون أيضا قديما أهل الحديث وأهل
الأثر وأهل الإتباع لتميزهم بهذه الأمور عن غيرهم.والفرقة الناجية هي التي وصفها
الرسول بقوله(هم من كان على مثل ماأنا عليه وأصحابي) فاستبان بهذا البيان وجوب
اتباع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.



قال الإمام ابن كثير -رحمه الله-في صفة أهل السنة والجماعة


(وأما أهل السنة والجماعة فيقولون في كل فعل وقول لم
يثبت عن الصحابة -رضي الله عنهم-هو بدعة,لأنه لو كان خيرا لسبقونا إليه ,لأنهم لم
يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها)تفسير ابن كثير سورة الأحقاف,عند
قوله تعالى :( وقال الذين كفروا للذين آمنوا لوكان خيرا ماسبقونا إليه)



ثانيا:الأصل في فهم
الكتاب والسنة وماورد فيهما من الألفاظ الشرعية أن يكون على منهج السلف الصالح وأن
ما عرف تفسيره من جهة النبي صلى الله عليه وسلم أو أصحابه لم يحتج معه إلى بيان
آخر وأن من تأولهما على ظاهرهما بلا دلالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحد
من أصحابه هو تأويل أهل البدع.



ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان الفرقة
الناجية



(ما أنا عليه وأصحابي)ولم يقل ما أنا عليه فقط


وقال عليكم
بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)ولم يقل بسنتي فقط ..



قال الإمام أ حمد بن حنبل -رحمه الله-(أصول السنة عندنا التمسك بما عليه أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم وكل بدعة ضلالة)أعلام الموقعين ج1



وقال الإمام أحمد ( وأن تأويل من تأول
القرآن بلا سنة تدل عليه على معنى ما أراد الله منه أو أثر من أصحاب رسول الله صلى
الله عليه وسلم ويعرف ذلك بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أوعن أصحابه فهم
شاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم وشهدوا تنزيله وما قصه الله في القرآن وماعني به
وما أراد أخاص هو أم عام فأما من تأوله على ظاهره بلا دلالة من رسول الله ولا أحد
من أصحابه فهذا تأويل أهل البدع)الإيمان ابن تيمية


وقال الإمام أحمد فى أول
رسالته أصول السنة

عن
عبدوس بن ملك العطار قال سمعت أبا عبدالله أحمد بن حنبل رضي
الله عنه يقول أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله
عليه و سلم والاقتداء بهم وترك البدع وكل بدعة فهي ضلالة وترك الخصومات في
الدين والسنة تفسر القرآن وهي دلائل القرآن وليس في السنة قياس ولا تضرب لها
الأمثال ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء إنما هو الإتباع وترك الهوى


وإذا قلنا السلف فنقصد
بهم الصحابة ,. ولماذا الصحابة ؟ولماذا
نريد إحياء مذهب الصحابة ؟ ولماذا ندعو
إلى الرجوع إلى فهم الصحابة ؟ولماذا نقول لمن قصرت همته وضعفت عزيمته
ورضي لنفسه أن يقلد ,إذا أردت التقليد فقلد الصحابة؟



فلماذا الصحابة ؟


1- لأنهم رضى الله
عنهم ورضوا عنه



2- لأن رسول الله صلى
الله عليه وسلم مات وهو راض عنهم



3- لأنهم أفهم الأمة
لكلام الله ورسوله وفيهم نزل القرآن



4- لأن رسول الله صلى
الله عليه وسلم أمرنا بإتباعهم (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى تمسكوا
بها وعضوا عليها بالنواجذ)



5- لأن رسول الله صلى
الله عليه وسلم زكاهم (أفضل القرون قرني...)



6- لأن التمسك بما كان
عليه الصحابة إتباع وليس تقليد ,وفى الإتباع النجاة



7- لأنهم الفرقة الناجية
والطائفة المنصورة أهل السنة والجماعة



8- (ماأنا عليه اليوم وأصحابي )


9- فالتمسك بما كان عليه
رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة دين



هذه بعض الأسباب التى تجعل المسلم الذى يريد الجنة شديد اللصوق بجيل الصحابة
,شديد التمسك بما كان عليه الصحابة ,فقوم رضى الله عنهم وأدخلهم الجنة, فمن أراد أن
يدخل الجنة مثلهم فليعمل عملهم ,ويقتفى أثرهم امتثالا وانقيادا لكلام الله ورسوله
,فهل عرفت الآن لماذا نقول وننادى بالعودة إلى فهم الصحابة ونطالب بإحياء مذهب
الصحابة ؟ والرجوع إلى ماكان عليه الصحابة ؟



نسأل الله أن يتوفانا على الإسلام .


ولقد وردت أحاديث كثيرة تحض على الاقتداء بالصحابة على
وجه العموم و على وجه الخصوص أيضاً ، إلا أنه ينبغي التنبيه على أن القول بحجية
قول الصحابي لا يعني أبداً القول بعصمتهم بل هم بشر يصيبون ويخطئون ، إلا أن خطأهم
أقل من خطأ غيرهم بكثير ، كما أن إصابتهم للحق أكثر من إصابة غيرهم ممن جاء من
بعدهم .



وينبغي - أيضاً - أن يستحضر القارئ حين قراءته لهذا
المبحث أن المراد بحجية قول الصحابي : هو ما أثر عن الصحابة أو أحدهم من قول أو
فعل أو فتيا ولم يعلم له مخالف في ذلك بل لم ينقل إلينا إلا قوله أو فعله أو فتياه
.



ومما ينبغي استحضاره - أيضاً - أن الحجة في قول الصحابي
ليست في قوله لذاته ؛ بل لأن الشارع ضمن حفظ الحق أبداً إلى أن تقوم الساعة ، وأنه
لا يخلي عصراً من العصور منه ، كما قال تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له
لحافظون } [الحجر 9]. فلو قال الصحابي قولاً ولم يكن صواباً بل الصواب في غيره ولم
ينكره عليه أو يخالفه فيه أحد ممن عاصره حتى انقضى ذلك العصر ، ثم جاء من بعده
فقال بخلاف قوله لكان ذلك العصر قد خلا من ناطق بالحق ، بل كانوا مطبقين على
الباطل ، فهذا هو الذي ينكر .



وإذا كان كذلك فإنه لا يجوز لمن جاء بعدهم مخالفتهم أو
مخالفة أحدهم إذا لم ينقل عن أحد ممن عاصره خلافه ، كما لو اختلفوا - أعني الصحابة
- على قولين لم يجز لمن جاء بعدهم إحداث قول ثالث خارجٍ عن القولين .



والسؤال هل يجوز إحداث قول يخالف قول الصحابة ؟وهل قولهم
حجة ؟



اختلف الأصوليون في ذلك على أقوال ثلاثة:


القول الأول :


لا يجوز إحداث قول ثالث في المسألة مطلقا سواء كان القول
الثالث رافعا لما اتفق عليه المجتهدون الأولون أم غير رافع له وإلى ذلك ذهب جمهور
العلماء.



القول الثاني: يجوز مطلقا وإلى ذلك ذهب الظاهرية وبعض الحنفية.


القول الثالث: التفصيل بين ما يرفع متفقا عليه فلا يجوز وما لا يرفعه فيجوز والمختار
للرازي والبيضاوي والآمدي وابن الحاجب



انظر نهاية
السول 3/286, 287 إحكام الأحكام للآمدي 1/384 المحصول 2/62 روضة الناظر 131
المعتمد 2/54 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 3/158.



لا يشرع الخروج عن أقوال السلف في المسألة التي تكلموا
فيها



من اتباع السلف الصالح عدم الخروج عن أقوالهم في مسألة
من المسائل ،



قال الإمام مالك رحمه الله ( كما في ترتيب
المدارك 1/193 ) عن موطئه :



فيه حديث رسول
الله صلى الله عليه وسلم وقول الصحابة والتابعين ورأيهم ، وقد تكلمت برأيي على الاجتهاد
، وعلى ما أدركت عليه أهل العلم ببلدنا ولم أخرج عن جملتهم إلى غيره .(ونقول لمن
ينكر قيدنا ولم يفهم قولنا هل خرجنا عن قول السلف؟)



وقال الإمام الشافعي رحمه الله كما في المدخل إلى السنن الكبرى ( 110 ) :


إذا اجتمعوا (
أي الصحابة ) أخذنا باجتماعهم ، وإن قال واحدهم ولم يخالفه أخذنا بقوله ، فإن
اختلفوا أخذنا بقول بعضهم ، ولم نخرج من أقاويلهم كلهم .



وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله كما في المسودة ( 276 ) :


إذا كان في
المسألة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قول مختلف نختار من أقاويلهم ولم
نخرج عن أقاويلهم إلى قول غيرهم
، وإذا لم يكن فيها عن النبي صلى الله عليه
وسلم ولا عن الصحابة قول نختار من أقوال التابعين .



وقال الخطيب في الفقه والمتفقه ( 1/173 ) :


إذا اختلف
الصحابة في مسألة على قولين وانقرض العصر عليه لم يجز للتابعين أن يتفقوا على أحد
القولين ، فإن فعلوا ذلك لم يترك خلاف الصحابة ، والدليل عليه أن الصحابة أجمعت
على جواز الأخذ بكل واحد من القولين وعلى بطلان ما عدا ذلك ، فإذا صار التابعون
إلى القول بتحريم أحدهما لم يجز ذلك ، وكان خرقا للإجماع ، وهذا بمثابة لو
اختلف الصحابة بمسألة على قولين فإنه لا يجوز للتابعين إحداث قول ثالث
لأن
اختلافهم على قولين إجماع على إبطال كل قول سواه . انتهى .



وقال الشوكانى فى إرشاد الفحول


إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين فهل يجوز لمن
بعدهم إحداث قول ثالث



اختلفوا في ذلك على أقوال:


الأول:المنع مطلقًا؛
لأنه كاتفاقهم على أنه لا قول سوى هذين القولين، قال الأستاذ أبو منصور، وهو قول
الجمهور، قال إلكيا: إنه صحيح وبه الفتوى، وجزم به القفال الشاشي والقاضي أبو
الطيب الطبري والروياني، والصيرفي ولم يحكيا خلافه إلا عن بعض المتكلمين، وحكى ابن
القطان الخلاف في ذلك عن داود.



القول الثاني:الجواز مطلقًا حكاه ابن برهان وابن السمعاني عن بعض الحنفية والظاهرية،
ونسبه جماعة منهم القاضي عياض إلى داود وأنكر ابن حزم على من نسبه إلى داود.



القول الثالث:أن ذلك القول الحادث بعد القولين إن لزم منه رفعهما لم يجز إحداثه وإلا
جاز، وروي هذا التفصيل عن الشافعي واختاره المتأخرون من أصحابه، ورجحه جماعة من
الأصوليين منهم ابن الحاجب، واستدلوا له بأن القول الحادث الرافع للقولين مخالف
لما وقع الإجماع عليه، والقول الحادث الذي لم يرفع القولين غير مخالف لهما، بل
موافق لكل واحد منهما من بعض الوجوه.



ومثل الاختلاف على قولين: الاختلاف على ثلاثة أو أربعة
أو أكثر من ذلك، فإنه يأتي في القول الزائد على الأقوال التي اختلفوا فيها ما يأتي
في القول الثالث من الخلاف.



ثم لا بد من تقييد هذه المسألة بأن
يكون الخلاف فيها على قولين أو أكثر قد استقر أما إذا لم يستقر فلا وجه للمنع من
إحداث قول آخر.



وقال الشيرازى فى التبصرة ص387 مسألة 11


إذا اختلف
الصحابة على قولين لم يجز للتابعين إحداث قول ثالث وقال بعض المتكلمين وبعض أصحاب
أبي حنيفة يجوز ذلك لنا هو أن اختلافهم على قولين إجماع على أن كل قول سواهما باطل
لأنه لا يجوز أن يفوتهم الحق فلو جوزنا إحداث قول ثالث لجوزنا الخطأ عليهم في
القولين وهذا لا يجوز وأيضا فإن التابعين أجمعوا على حصر الأقاويل وضبط المذاهب
ولو جاز إحداث مذهب آخر لم يكن لضبط الأقاويل ولا حصر المذاهب معنى



واحتجوا بأن
اختلافهم فيها على قولين يوجب جواز الاجتهاد فجاز إحداث قول ثالث كما لو لم يستقر
الخلاف



والجواب هو أن
اختلافهم في ذلك يوجب جواز الاجتهاد في طلب الحق من القولين فأما إحداث قول ثالث
فلا وهذا كما لو أجمعوا في حادثة على إبطال حكم فيها فينقطع الاجتهاد في ذلك الحكم
ثم لا يمنع ذلك من الاجتهاد فيها على غير ما أجمعوا على بطلانه كذلك هاهنا ويخالف
هذا إذا لم يستقر الخلاف لأن الإجماع قبل الاستقرار لا يمنع من الخلاف وبعد
الاستقرار يمنع فكذلك الاختلاف مثله واحتجوا أيضا بأنه يجوز إحداث دليل آخر لم
يذكره الصحابة فكذلك يجوز إحداث قول آخر لم يقله الصحابة



قلنا ليس إذا
جاز إحداث دليل آخر جاز إحداث قول آخر



ألا ترى أنهم لو
أجمعوا على دليل واحد جاز إحداث دليل ثان ولا يجوز إحداث قول ثان والجواب هو أنا
لا نقره على ذلك بل نجعله محجوجا بإجماع الصحابة فلا يقبل منه هذا القول



وجواب آخر وهو
أن ابن سيرين عاصر الصحابة وهو من أهل الاجتهاد وخلاف التابعين في قول بعض أصحابنا
يعتد به مع الصحابة إذا عاصرهم وهو من أهل الاجتهاد وعلى الوجه الذي يعتبر انقراض
العصر في صحة الإجماع



وقال فى اللمع فى أصول الفقه للشيرازى


واعلم أنه إذا اختلفت الصحابة في المسألة على قولين وانقرض العصر عليه لم
يجز للتابعين إحداث قول ثالث . وقال بعض أهل الظاهر يجوز ذلك والدليل على فساد ذلك
هو أن اختلافهم على قولين إجماع على إبطال كل قول سواهما كما أن إجماعهم على قول
كل واحد إجماع على إبطال كل قول سواه فلما لم يجز إحداث قول ثان فيما أجمعوا فيه
على قول واحد لم يجز إحداث قول ثالث فيما أجمعوا فيه على قولين



المسودة لآل تيمية


مسألة إذا اختلفت الصحابة على قولين


الأول لم يجز لمن
بعدهم إحداث قول ثالث يخرج عن أقاويلهم نص عليه وهو قول الجماعة



[/center]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mazra3a-islam.forumarabia.com
بشار بن برد
Admin
avatar

المساهمات : 500
تاريخ التسجيل : 24/06/2011

مُساهمةموضوع: رد: سلسلة إحياء مذهب الصحابة وفقه الصحابة   الأربعاء مارس 14, 2012 4:57 pm

الثانى أجازه بعَض الناس قال ابن عقيل هو قول بعض الرافضة وبعض الحنفية وقال ابن
برهان هو قول أصحاب أبى حنيفة وأهل الظاهر وقال أبو الطيب هو قول بعض المتكلمين
ورأيت بعض الحنفية يختاره وينصره وقال الجوينى هو قول شرذمة من طوائف الأصوليين
صرح أبو الطيب بذكر هذه المسألة وذكر التى قبلها



وقال شيخ
الإسلام فى مجموع الفتاوى 27/308



( إن علماء المسلمين إذا تنازعوا فى مسألة على قولين لم
يكن لمن بعدهم أحداث قول ثالث بل القول الثالث يكون مخالفا لإجماعهم)



المغنى لابن قدامة والزاد لابن القيم


قال الشيخ فى
"المغنى": ومن ردَّ هذا القول، قال: هو مخالف لإجماع الصحابة، لأنهم
اختلفوا على القولين الأَوَّلَيْن، ومتى اختلفوا على قولين، لم يجز إحداث قول
ثالث، لأنه يفضى إلى تخطئتهم، وخروجِ الحق عن قول جميعهم.



وقال الباكستانى
فى أصول الفقه على منهج أهل الحديث



لا يشرع الخروج
عن أقوال السلف في المسألة التي تكلموا فيها



فإن من اتباع
السلف الصالح عدم الخروج عن أقوالهم في مسألة من المسائل



والمقصود بالسلف الصالح
هم الصحابة رضى الله عنهم كما هو واضح من كلام الأئمة الكرام مالك والشافعى
وأحمد وبن تيمية وبن القيم وبن كثير رحمهم الله تعالى



وقال الشيخ العثيمين رحمه الله فى شرح العقيدة
السفارينية



السؤال : هل يجوز للعالم أن يحدث قولاً جديداً
في مسألة اختلف فيها الصحابة على عدة أقوال



الجواب : نقول : إن هذا القول الذي يُحدثه إن كان داخلاً
في الأقوال فلا بأس إذا كان خارجاً فلا ، داخلاً في الأقوال ،افرض مثلاً اختلف
الصحابة في مسألة أحدهما ينفي والثاني يثبت فجاء إنسان وفصَّل ، فصَّل في المسألة
،



مثلاً : القول بوجوب الوتر :قال بعض العلماء : إن الوتر
واجب 0وقال بعضهم : ليس بواجب وفصَّل قوم وقالوا : من كان له وردٌ من الليل يعني
صلاةٌ من الليل يجب عليه الوتر لقوله : ( اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وتراً ) ،
ومن لم يكن فلا يجب عليه الوتر ،فمثلاً : إذا اختلفوا على قولين فإنه لا يجوز
إحداث قولٍ ثالث ،إلا إذا كان القول الثالث لا يخرج عن القولين ،



وقال الشيخ سفر الحوالى فى شرحه للطحاوية


وأما نزاع المتأخرين الذي أشار إليه هنا فيجب أن يُعتبر
بدعة؛ لأنه لا يجوز إحداث قول ثالث، بل يجب أن يتبع كلام السلف الصالح وحدهم(فى
رده على المعتزلة)



قال شيخ الإسلام بن تيمية –رحمه الله –


(الْوَجْهُ التَّاسِعُ : أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْأَلَةِ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ سِوَى
مَا ذَكَرَهُ وَلَمْ يَسْتَدِلَّ بِهِ أَحَدٌ قَبْلَهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ قَدْ
عَلِمَ الْحَقَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهُ وَذَلِكَ حُكْمٌ عَلَى
الْأُمَّةِ قَبْلَهُ بِعَدَمِ عِلْمِ الْحَقِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَذَلِكَ
يَسْتَلْزِمُ أَمْرَيْنِ



أَحَدُهُمَا إجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى ضَلَالَةٍ فِي هَذَا الْأَصْلِ


وَالثَّانِي عَدَمُ صِحَّةِ احْتِجَاجٍ بِإِجْمَاعِهِمْ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ
فَإِنَّهُمْ إذَا قَالُوا بِلَا عِلْمٍ وَلَا دَلِيلٍ لَزِمَ هَذَانِ
الْمَحْذُورَانِ .



الْوَجْهُ
الْعَاشِرُ
: أَنَّ هَذَا إجْمَاعٌ مُرَكَّبٌ كَالِاسْتِدْلَالِ
عَلَى قِدَمِ الْكَلَامِ بِقِدَمِ الْعِلْمِ وَتَفْرِيقِهِ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ صُورِيٌّ
وَقَوْلُهُ لِلْمُعْتَزِلَةِ نُسَلِّمُ ذَلِكَ لَيْسَ كَذَلِكَ وَذَلِكَ أَنَّ
الْأُمَّةَ إذَا اخْتَلَفَتْ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِمَنْ
بَعْدَهُمْ إحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ وَالْمُعْتَزِلَةُ تُوَافِقُ عَلَى ذَلِكَ)



وقال أيضاً


(الْوَجْهُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ : وَهُوَ أَنَّ الْأُمَّةَ إذَا اُخْتُلِفَ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى
قَوْلَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِمَنْ بَعْدَهُمْ إحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ , فَإِذَا لَمْ
يَكُنْ فِي صَدْرِ الْأُمَّةِ إلَّا قَوْلُ السَّلَفِ وَقَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ
تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ , وَمِنْ الْمَعْلُومِ
بِالشَّرْعِ وَالْعَقْلِ أَنَّ قَوْلَ الْمُعْتَزِلَةِ بَاطِلٌ لِلْوُجُوهِ
الْكَثِيرَة



ِ(كتاب إقامة الدليل على إبطال التحليل ,وذكره أيضاً فى
الفتاوى الكبرى فى باب الردعلى المعتزلة وأهل البدع )



وقال أيضاً فى المجموع 27/308


( إن علماء المسلمين إذا تنازعوا فى مسألة على قولين لم
يكن لمن بعدهم أحداث قول ثالث بل القول الثالث يكون مخالفا لإجماعهم)وقد سبق .



وقال بن القيم فى الزاد نقلا عن بن قدامة فى المغنى


قال الشيخ فى "المغنى": ومن ردَّ هذا القول،
قال: هو مخالف لإجماع الصحابة، لأنهم اختلفوا على القولين الأَوَّلَيْن، ومتى
اختلفوا على قولين، لم يجز إحداث قول ثالث، لأنه يفضى إلى تخطئتهم، وخروجِ الحق عن
قول جميعهم. قلت: وليس فى هذا إحداثُ قولٍ ثالثٍ، بل هو إحدى الروايتين عن عمر،
ذكرها ابن وهب وغيره، وقال به من التابعين من ذكرناهم وغيرهم.وقد سبق .



وقال بن القيم –رحمه الله – فى أخر كتابه إعلام الموقعين كلاما مفصلا شافيا كافيا فى المسألة لطالب الحق نقلته بتمامه لنفاسته وقوته ولنختم به البحث فقال رحمه الله


فَصْلٌ : [ الْقَوْلُ
فِي جَوَازِ الْفَتْوَى بِالْآثَارِ السَّلَفِيَّةِ ]


فِي جَوَازِ الْفَتْوَى بِالْآثَارِ السَّلَفِيَّةِ
وَالْفَتَاوِي الصَّحَابِيَّةِ ، وَأَنَّهَا أَوْلَى بِالْأَخْذِ بِهَا مِنْ
آرَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَفَتَاوِيهمْ ، وَأَنَّ قُرْبَهَا إلَى الصَّوَابِ
بِحَسَبِ قُرْبِ أَهْلِهَا مِنْ عَصْرِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ
عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ ، وَأَنَّ فَتَاوَى الصَّحَابَةِ أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ
بِهَا مِنْ فَتَاوَى التَّابِعِينَ ، وَفَتَاوَى التَّابِعِينَ أَوْلَى مِنْ
فَتَاوَى تَابِعِي التَّابِعِينَ ، وَهَلُمَّ جَرًّا وَكُلَّمَا كَانَ الْعَهْدُ
بِالرَّسُولِ أَقْرَبَ كَانَ الصَّوَابُ أَغْلَبَ ، وَهَذَا حُكْمٌ بِحَسَبِ
الْجِنْسِ لَا بِحَسَبِ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٌ مِنْ الْمَسَائِلِ ، كَمَا أَنَّ
عَصْرَ التَّابِعِينَ ، وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ عَصْرِ تَابِعِيهِمْ فَإِنَّمَا
هُوَ بِحَسَبِ الْجِنْسِ لَا بِحَسَبِ كُلِّ شَخْصٍ شَخْصٌ ، وَلَكِنْ
الْمُفَضَّلُونَ فِي الْعَصْرِ الْمُتَقَدِّمِ أَكْثَرُ مِنْ الْمُفَضَّلِينَ فِي
الْعَصْرِ الْمُتَأَخِّرِ ، وَهَكَذَا الصَّوَابُ فِي أَقْوَالِهِمْ أَكْثَرُ مِنْ
الصَّوَابِ فِي أَقْوَالِ مَنْ بَعْدِهِمْ ؛ فَإِنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَ عُلُومِ
الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ كَالتَّفَاوُتِ الَّذِي بَيْنَهُمْ فِي
الْفَضْلِ وَالدِّينِ ، وَلَعَلَّهُ لَا يَسَعَ الْمُفْتِيَ وَالْحَاكِمَ عِنْدَ
اللَّهِ أَنْ يُفْتِيَ وَيَحْكُمَ بِقَوْلِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ مِنْ
الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ مُقَلِّدِي الْأَئِمَّةِ وَيَأْخُذَ بِرَأْيِهِ
وَتَرْجِيحِهِ وَيَتْرُكَ الْفَتْوَى وَالْحُكْمَ بِقَوْلِ الْبُخَارِيِّ ،
وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ
نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ ، وَأَمْثَالِهِمْ ، بَلْ يَتْرُكُ قَوْلَ ابْنِ
الْمُبَارَكِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَسُفْيَانَ بْنِ
عُيَيْنَةَ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، وَأَمْثَالِهِمْ ،
بَلْ لَا يَلْتَفِتُ إلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَالزُّهْرِيِّ وَاللَّيْثِ
بْنِ سَعْدٍ ، وَأَمْثَالِهِمْ ، بَلْ لَا يَعُدُّ قَوْلَ سَعِيدِ بْنِ
الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ وَالْقَاسِمِ وَسَالِمٍ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَجَابِرِبْنِ زَيْدٍ وَشُرَيْحٍ ، وَأَبِي وَائِلٍ وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ،
وَأَضْرَابِهِمْ مِمَّا يَسُوغُ الْأَخْذُ بِهِ ، بَلْ يَرَى تَقْدِيمَ قَوْلِ
الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَتْبَاعِ مَنْ قَلَّدَهُ عَلَى فَتْوَى أَبِي بَكْرٍ
الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ



[ وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ ] ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَزَيْدِ
بْنِ ثَابِتٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَأَبِي مُوسَى
الْأَشْعَرِيِّ ، وَأَضْرَابِهِمْ ، فَلَا يَدْرِي مَا عُذْرُهُ غَدًا عِنْدَ
اللَّهِ إذَا سَوَّى بَيْنَ أَقْوَالِ أُولَئِكَ وَفَتَاوِيهِمْ ، وَأَقْوَالِ
هَؤُلَاءِ وَفَتَاوِيهِمْ ، فَكَيْفَ إذَا رَجَّحَهَا عَلَيْهَا ؟ فَكَيْفَ إذَا
عَيَّنَ الْأَخْذَ بِهَا حُكْمًا ، وَإِفْتَاءً ، وَمَنَعَ الْأَخْذَ بِقَوْلِ
الصَّحَابَةِ ، وَاسْتَجَازَ عُقُوبَةَ مَنْ خَالَفَ الْمُتَأَخِّرِينَ لَهَا ،
وَشَهِدَ عَلَيْهِ بِالْبِدْعَةِ وَالضَّلَالَةِ وَمُخَالَفَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ،
وَأَنَّهُ يَكِيدُ الْإِسْلَامَ ؟ تَاللَّهِ لَقَدْ أَخَذَ بِالْمَثَلِ
الْمَشْهُورِ " رَمَتْنِي بِدَائِهَا وَانْسَلَّتْ " وَسُمِّيَ وَرَثَةُ
الرَّسُولِ بِاسْمِهِ هُوَ ، وَكَسَاهُمْ أَثْوَابَهُ ، وَرَمَاهُمْ بِدَائِهِ ،
وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يَصْرُخُ وَيَصِيحُ وَيَقُولُ وَيُعْلِنُ أَنَّهُ يَجِبُ
عَلَى الْأُمَّةِ كُلِّهِمْ الْأَخْذُ بِقَوْلِ مَنْ قَلَّدْنَاهُ دِينَنَا ،
وَلَا يَجُوزُ الْأَخْذُ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ
وَغَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ .
وَهَذَا كَلَامُ مَنْ أَخَذَ بِهِ وَتَقَلَّدَهُ وَلَّاهُ اللَّهُ مَا تَوَلَّى ،
وَيَجْزِيه عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى ،وَاَلَّذِي
نَدِينُ اللَّهَ بِهِ ضِدُّ هَذَا الْقَوْلِ ، وَالرَّدِّ عَلَيْهِ فَنَقُولُ :



[
تَرْتِيبُ الْأَخْذِ بِفَتَاوَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ]



إذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ قَوْلًا فَإِمَّا أَنْ
يُخَالِفَهُ صَحَابِيٌّ آخَرُ أَوْ لَا يُخَالِفُهُ ، فَإِنْ خَالَفَهُ مِثْلُهُ
لَمْ يَكُنْ قَوْلُ أَحَدِهِمَا حُجَّةً عَلَى الْآخَرِ ، وَإِنْ خَالَفَهُ
أَعْلَمُ مِنْهُ كَمَا إذَا خَالَفَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ أَوْبَعْضُهُمْ
غَيْرَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي حُكْمٍ ، فَهَلْ يَكُونُ الشِّقُّ الَّذِي فِيهِ
الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ أَوْ بَعْضُهُمْ حُجَّةً عَلَى الْآخَرِينَ ؟



فِيهِ قَوْلَانِ
لِلْعُلَمَاءِ ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَام أَحْمَدَ ، وَالصَّحِيحُ
أَنَّ الشِّقَّ الَّذِي فِيهِ الْخُلَفَاءُ أَوْ بَعْضُهُمْ أَرْجَحُ ، وَأَوْلَى
أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ ، فَإِنْ كَانَ الْأَرْبَعَةُ فِي
شِقٍّ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ الصَّوَابُ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُهُمْ فِي شِقٍّ
فَالصَّوَابُ فِيهِ أَغْلَبُ ، وَإِنْ كَانُوا اثْنَيْنِ وَاثْنَيْنِ فَشِقُّ
أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ ، فَإِنْ اخْتَلَفَ أَبُو بَكْرٍ
وَعُمَرُ فَالصَّوَابُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ .
وَهَذِهِ جُمْلَةٌ لَا يَعْرِفُ تَفْصِيلَهَا إلَّا مَنْ لَهُ خِبْرَةٌ
وَاطِّلَاعٌ عَلَى مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الصَّحَابَةُ وَعَلَى الرَّاجِحِ مِنْ
أَقْوَالِهِمْ ، وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ مَعْرِفَةُ رُجْحَانِ قَوْلِ الصِّدِّيقِ
فِي الْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ ، وَكَوْنِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ بِفَمٍ وَاحِدٍ
مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَإِنْ تَلَفَّظَ فِيهِ بِالثَّلَاثِ ، وَجَوَازِ بَيْعِ
أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ ، وَإِذَا نَظَرَ الْعَالِمُ الْمُنْصِفُ فِي أَدِلَّةِ
هَذِهِ الْمَسَائِلِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ جَانِبَ
الصِّدِّيقِ أَرْجَحُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْجَدِّ
وَالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ بِفَمٍ وَاحِدٍ ، وَلَا يُحْفَظُ لِلصِّدِّيقِ خِلَافُ
نَصٍّ وَاحِدٍ أَبَدًا ، وَلَا يُحْفَظُ لَهُ فَتْوَى وَلَا حُكْمٌ مَأْخَذُهَا
ضَعِيفٌ أَبَدًا ، وَهُوَ تَحْقِيقٌ لِكَوْنِ خِلَافَتِهِ خِلَافَةَ نُبُوَّةٍ .



فَصْلٌ
: [ رَأْيُ الشَّافِعِيِّ فِي أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ ]



وَإِنْ
لَمْ يُخَالِفْ الصَّحَابِيُّ صَحَابِيًّا آخَرَ فَإِمَّا أَنْ يَشْتَهِرَ
قَوْلُهُ فِي الصَّحَابَةِ أَوْ لَا يَشْتَهِرُ ، فَإِنْ اشْتَهَرَ فَاَلَّذِي
عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الطَّوَائِفِ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ إجْمَاعٌ وَحُجَّةٌ ،
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ : هُوَ حُجَّةٌ وَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ ، وَقَالَتْ
شِرْذِمَةٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ : لَا
يَكُونُ إجْمَاعًا وَلَا حُجَّةً ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِرْ قَوْلُهُ أَوْ لَمْ
يُعْلَمْ هَلْ اُشْتُهِرَ أَمْ لَا فَاخْتَلَفَ النَّاسُ : هَلْ يَكُونُ حُجَّةً
أَمْ لَا ؟ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأُمَّةِ أَنَّهُ حُجَّةٌ هَذَا
قَوْلُ جُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ ، صَرَّحَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ،
وَذَكَرَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ نَصًّا ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ
، وَتَصَرُّفُهُ فِي مُوَطَّئِهِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ بْنِ
رَاهْوَيْهِ وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَهُوَ مَنْصُوصُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي غَيْرِ
مَوْضِعٍ عَنْهُ وَاخْتِيَارُ جُمْهُورِ أَصْحَابِهِ ، وَهُوَ مَنْصُوصُ
الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ ، أَمَّا الْقَدِيمُ فَأَصْحَابُهُ
مُقِرُّونَ بِهِ ، وَأَمَّا الْجَدِيدُ فَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يُحْكَى عَنْهُ فِيهِ
أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ ، وَفِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ عَنْهُ نَظَرٌ ظَاهِرٌ
جِدًّا ؛ فَإِنَّهُ لَا يُحْفَظُ لَهُ فِي الْجَدِيدِ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَنَّ قَوْلَ
الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ ، وَغَايَةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ نَقْلِ
ذَلِكَ أَنَّهُ يَحْكِي أَقْوَالًا لِلصَّحَابَةِ فِي الْجَدِيدِ ثُمَّ
يُخَالِفُهَا ، وَلَوْ كَانَتْ عِنْدَهُ حُجَّةٌ لَمْ يُخَالِفْهَا ، وَهَذَا
تَعَلُّقٌ ضَعِيفٌ جِدًّا ، فَإِنَّ مُخَالَفَةَ الْمُجْتَهِدِ الدَّلِيلَ
الْمُعَيَّنَ لِمَا هُوَ أَقْوَى فِي نَظَرِهِ مِنْهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ
لَا يَرَاهُ دَلِيلًا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ ، بَلْ خَالَفَ دَلِيلًا لِدَلِيلٍ
أَرْجَحَ عِنْدَهُ مِنْهُ ، وَقَدْ تَعَلَّقَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ يَرَاهُ فِي
الْجَدِيدِ إذَا ذَكَرَ أَقْوَالَ الصَّحَابَةِ مُوَافِقًا لَهَا لَا يَعْتَمِدُ
عَلَيْهَا وَحْدَهَاكَمَا يَفْعَلُ بِالنُّصُوصِ ، بَلْ يُعَضِّدُهَا
بِضُرُوبٍ مِنْ الْأَقْيِسَةِ ؛ فَهُوَ تَارَةً يَذْكُرُهَا وَيُصَرِّحُ
بِخِلَافِهَا ، وَتَارَةً يُوَافِقُهَا وَلَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا بَلْ
يُعَضِّدُهَا بِدَلِيلٍ آخَرَ ، وَهَذَا أَيْضًا تَعَلُّقٌ أَضْعَفُ مِنْ الَّذِي
قَبْلَهُ ؛ فَإِنَّ تَظَافُرَ الْأَدِلَّةِ وَتَعَاضُدِهَا وَتَنَاصُرِهَا مِنْ
عَادَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا ، وَلَا يَدُلُّ ذِكْرُهُمْ
دَلِيلًا ثَانِيًا وَثَالِثًا عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ قَبْلَهُ لَيْسَ
بِدَلِيلٍ .
وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ مِنْ رِوَايَةِ الرَّبِيعِ عَنْهُ
بِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابَةِ حُجَّةٌ يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ ،



فَقَالَ : الْمُحْدَثَاتُ
مِنْ الْأُمُورِ ضَرْبَانِ ، أَحَدُهُمَا : مَا أُحْدِثَ يُخَالِفُ كِتَابًا أَوْ
سُنَّةً أَوْ إجْمَاعًا أَوْ أَثَرًا فَهَذِهِ الْبِدْعَةُ الضَّلَالَةُ ،
وَالرَّبِيعُ إنَّمَا أَخَذَ عَنْهُ بِمِصْرَ ، وَقَدْ جَعَلَ مُخَالَفَةَ
الْأَثَرِ الَّذِي لَيْسَ بِكِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إجْمَاعٍ ضَلَالَةً ،
وَهَذَا فَوْقَ كَوْنِهِ حُجَّةً ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ مَدْخَلِ
السُّنَنِ لَهُ : بَابُ ذِكْرِ أَقَاوِيلِ الصَّحَابَةِ إذَا تَفَرَّقُوا .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : أَقَاوِيلُ الصَّحَابَةِ إذَا تَفَرَّقُوا فِيهَا تَصِيرُ
إلَى مَا وَافَقَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ الْإِجْمَاعِ إذَا كَانَ أَصَحَّ
فِي الْقِيَاسِ ، وَإِذَا قَالَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ الْقَوْلَ لَا يُحْفَظُ عَنْ
غَيْرِهِ مِنْهُمْ فِيهِ لَهُ مُوَافَقَةٌ وَلَا خِلَافَ صِرْتُ إلَى اتِّبَاعِ
قَوْلِهِ إذَا لَمْ أَجِدْ كِتَابًا وَلَا سُنَّةً وَلَا إجْمَاعًا وَلَا شَيْئًا
فِي مَعْنَاهُ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِهِ أَوْ وُجِدَ مَعَهُ قِيَاسٌ .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِهِ مَعَ مَالِكٍ : مَا كَانَ
الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مَوْجُودَيْنِ فَالْعُذْرُ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ مَقْطُوعٌ
إلَّا بِإِتْيَانِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ صِرْنَا إلَى أَقَاوِيلِ
الصَّحَابَةِ أَوْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، ثُمَّ كَانَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ أَبِي
بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ إذَا صِرْنَا إلَى التَّقْلِيدِ أَحَبَّ إلَيْنَا ،
وَذَلِكَ إذَا لَمْ نَجِدْ دَلَالَةً فِيالِاخْتِلَافِ تَدُلُّ عَلَى
أَقْرَبِ الِاخْتِلَافِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَنَتْبَعُ الْقَوْلَ
الَّذِي مَعَهُ الدَّلَالَةُ ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْإِمَامِ مَشْهُورٌ بِأَنَّهُ
يَلْزَمُ النَّاسَ وَمَنْ لَزِمَ قَوْلُهُ النَّاسَ كَانَ أَشْهَرَ مِمَّنْ
يُفْتِي الرَّجُلَ أَوْ النَّفَرَ وَقَدْ يَأْخُذُ بِفُتْيَاهُ وَيَدَعُهَا ،
وَأَكْثَرُ الْمُفْتِينَ يُفْتُونَ الْخَاصَّةَ فِي بُيُوتِهِمْ وَمَجَالِسِهِمْ
وَلَا يَعْتَنِي الْعَامَّةُ بِمَا قَالُوا عِنَايَتَهُمْ بِمَا قَالَ الْإِمَامُ
، وَقَدْ وَجَدْنَا الْأَئِمَّةَ يُنْتَدَبُونَ فَيُسْأَلُونَ عَنْ الْعِلْمِ مِنْ
الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِيمَا أَرَادُوا أَنْ يَقُولُوا فِيهِ وَيَقُولُونَ
فَيُخْبِرُونَ بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ ، فَيَقْبَلُونَ مِنْ الْمُخْبِرِ ، وَلَا
يَسْتَنْكِفُونَ عَنْ أَنْ يَرْجِعُوا لِتَقْوَاهُمْ اللَّهَ وَفَضْلِهِمْ ،
فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ عَنْ الْأَئِمَّةِ فَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدِّينِ فِي مَوْضِعِ الْأَمَانَةِ أَخَذْنَا
بِقَوْلِهِمْ ، وَكَانَ اتِّبَاعُهُمْ أَوْلَى بِنَا مِنْ اتِّبَاعِ مَنْ
بَعْدَهُمْ .




قالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ :وَالْعِلْمُ طَبَقَاتٌ ،



الْأَوْلَى : الْكِتَابُ
وَالسُّنَّةُ ،



الثَّانِيَةُ :
الْإِجْمَاعُ فِيمَا لَيْسَ كِتَابًا وَلَا سُنَّةً ،



الثَّالِثَةُ : أَنْ يَقُولَ
صَحَابِيٌّ فَلَا يُعْلَمُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ،



الرَّابِعَةُ
:
اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ ،



الْخَامِسَةُ : الْقِيَاسُ ، هَذَا
كُلُّهُ كَلَامُهُ فِي الْجَدِيدِ .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ هَذَا : وَفِي الرِّسَالَةِ الْقَدِيمَةِ
لِلشَّافِعِيِّ - بَعْدَ ذِكْرِ الصَّحَابَةِ وَتَعْظِيمِهِمْ –



قَالَ : وَهُوَ فَوْقَنَا فِي كُلِّ عِلْمٍ
وَاجْتِهَادٍ وَوَرَعٍ وَعَقْلٍ ، وَأَمْرٍ اُسْتُدْرِكَ بِهِ عِلْمٌ ،



وَآرَاؤُهُمْ لَنَا أَحْمَدُ ، وَأَوْلَى بِنَا
مِنْ رَأْيِنَا
، وَمَنْ أَدْرَكْنَا مِمَّنْ تُرْضَى أَوْ حُكِيَ لَنَا
عَنْهُ بِبَلَدِنَا صَارُوا فِيمَا لَمْ يَعْلَمُوا فِيهِ سُنَّةً إلَى قَوْلِهِمْ
إنْ اجْتَمَعُوا أَوْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ إنْ تَفَرَّقُوا ، وَكَذَا نَقُولُ ، وَلَمْ
نَخْرُجْ مِنْ أَقْوَالِهِمْ كُلِّهِمْ .
قَالَ
: وَإِذَا قَالَالرَّجُلَانِ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ قَوْلَيْنِ
نَظَرْت ، فَإِنْ كَانَ قَوْلُ أَحَدِهِمَا أَشْبَهَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
أَخَذْت بِهِ ، لِأَنَّ مَعَهُ شَيْئًا قَوِيًّا ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى
وَاحِدٍ مِنْ الْقَوْلَيْنِ دَلَالَةً بِمَا وَصَفْت كَانَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ
أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ أَرْجَحَ عِنْدَنَا مِنْ وَاحِدٍ لَوْ
خَالَفَهُمْ غَيْرُ إمَامٍ .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى
الْقَوْلِ دَلَالَةٌ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ كَانَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ
وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ أَحَبَّ إلَيَّ مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِمْ ، فَإِنْ اخْتَلَفُوا
صِرْنَا إلَى الْقَوْلِ الَّذِي عَلَيْهِ دَلَالَةٌ ، وَقَلَّمَا يَخْلُو
اخْتِلَافُهُمْ مِنْ ذَلِكَ ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا بِلَا دَلَالَةٍ نَظَرْنَا إلَى
الْأَكْثَرِ ، فَإِنْ تَكَافَئُوا نَظَرْنَا أَحْسَنَ أَقَاوِيلِهِمْ مَخْرَجًا
عِنْدَنَا ، وَإِنْ وَجَدْنَا لِلْمُفْتِينَ فِي زَمَانِنَا أَوْ قَبْلَهُ
إجْمَاعًا فِي شَيْءٍ تَبِعْنَاهُ ، فَإِذَا نَزَلَتْ نَازِلَةٌ لَمْ نَجِدْ
فِيهَا وَاحِدَةً مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ فَلَيْسَ إلَّا إجْهَادُ الرَّأْيِ ،



فَهَذَا كَلَامُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
وَرَضِيَ عَنْهُ بِنَصِّهِ ، وَنَحْنُ نَشْهَدُ بِاَللَّهِ أَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ
عَنْهُ ، بَلْ كَلَامُهُ فِي الْجَدِيدِ مُطَابِقٌ لِهَذَا مُوَافِقٌ لَهُ كَمَا
تَقَدَّمَ ذِكْرُ لَفْظِهِ ، وَقَدْ قَالَ فِي الْجَدِيدِ فِي قَتْلِ الرَّاهِبِ :
إنَّهُ الْقِيَاسُ عِنْدَهُ ، وَلَكِنْ أَتْرُكُهُ لِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .فَقَدْ أَخْبَرَنَا أَنَّهُ تَرَكَ الْقِيَاسَ الَّذِي
هُوَ دَلِيلٌ عِنْدَهُ لِقَوْلِ الصَّاحِبِ ، فَكَيْفَ يَتْرُكُ مُوجِبَ
الدَّلِيلِ لِغَيْرِ دَلِيلٍ ؟



وَقَالَ : فِي الضِّلَعِ بَعِيرٌ ، قُلْتُهُ
تَقْلِيدًا لِعُمَرَ ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : قُلْتُهُ تَقْلِيدًا
لِعُثْمَانَ ، وَقَالَ فِي الْفَرَائِضِ : هَذَا مَذْهَبٌ تَلَقَّيْنَاهُ عَنْ
زَيْدٍ .
وَلَا تَسْتَوْحِشْ مِنْ لَفْظَةِ التَّقْلِيدِ فِي كَلَامِهِ ، وَتَظُنَّ
أَنَّهَا تَنْفِي كَوْنَ قَوْلِهِ حُجَّةً بِنَاءً عَلَى مَا تَلَقَّيْتُهُ مِنْ
اصْطِلَاحِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ التَّقْلِيدَ قَبُولُقَوْلِ الْغَيْرِ
بِغَيْرِ حُجَّةٍ ، فَهَذَا اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ ، وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ
فِي مَوْضِعِ مِنْ كَلَامِهِ بِتَقْلِيدِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فَقَالَ : قُلْت هَذَا
تَقْلِيدًا لِلْخَبَرِ ، وَأَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ كُلُّهُمْ عَلَى قَبُولِ قَوْلِ
الصَّحَابِيِّ .
قَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ : ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ :



سَمِعْت أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ : إذَا جَاءَ
عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ
، وَإِذَا جَاءَ عَنْ الصَّحَابَةِ نَخْتَارُ مِنْ قَوْلِهِمْ ، وَإِذَا جَاءَ عَنْ
التَّابِعِينَ زَاحَمْنَاهُمْ
وَذَهَبَ
بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ
وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ ، وَأَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ إلَى أَنَّهُ
لَيْسَ بِحُجَّةٍ ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّهُ إنْ خَالَفَ
الْقِيَاسَ فَهُوَ حُجَّةٌ ، وَإِلَّا فَلَا ، قَالُوا : لِأَنَّهُ إذَا خَالَفَ
الْقِيَاسَ لَمْ يَكُنْ إلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ وَعَلَى هَذَا فَهُوَ حُجَّةٌ ،
وَإِنْ خَالَفَهُ صَحَابِيٌّ آخَرُ ، وَاَلَّذِينَ قَالُوا " لَيْسَ
بِحُجَّةٍ " قَالُوا : لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ مُجْتَهِدٌ مِنْ
الْمُجْتَهِدِينَ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ فَلَا يَجِبُ تَقْلِيدُهُ ، وَلَا
يَكُونُ قَوْلُهُ حُجَّةً كَسَائِرِ الْمُجْتَهِدِينَ ، وَلِأَنَّ الْأَدِلَّةَ
الدَّالَّةَ عَلَى بُطْلَانِ التَّقْلِيدِ تَعُمُّ تَقْلِيدَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ
دُونَهُمْ ، وَلِأَنَّ التَّابِعِيَّ إذَا أَدْرَكَ عَصْرَ الصَّحَابَةِ اعْتَدَّ
بِخِلَافِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ ، فَكَيْفَ يَكُونُ قَوْلُ الْوَاحِدِ
حُجَّةً عَلَيْهِ ؟ وَلِأَنَّ الْأَدِلَّةَ قَدْ انْحَصَرَتْ فِي الْكِتَابِ
وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ وَالِاسْتِصْحَابِ ، وَقَوْلُ
الصَّحَابِيِّ لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهَا ، وَلِأَنَّ امْتِيَازَهُ بِكَوْنِهِ
أَفْضَلَ ، وَأَعْلَمَ وَأَتْقَى لَا يُوجِبُ وُجُوبَ اتِّبَاعِهِ عَلَى
مُجْتَهِدٍ آخَرَ مِنْ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ
بَعْدَهُمْ .
فَنَقُولُ : الْكَلَامُ فِي مَقَامَيْنِ ،



أَحَدُهُمَا : فِي الْأَدِلَّةِ
الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الصَّحَابَةِ ،



الثَّانِي فِي الْجَوَابِ عَنْ شُبَهِ
النُّفَات



[
الْأَدِلَّةُ عَلَى وُجُوبِ إتباع الصَّحَابَةِ ]



فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَمِنْ وُجُوهٍ ،


أَحَدُهَا : مَا احْتَجَّ بِهِ
مَالِكٌ ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ
الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا
الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }



فَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ
اللَّهَ تَعَالَى أَثْنَى عَلَى مَنْ اتَّبَعَهُمْ ، فَإِذَا قَالُوا قَوْلًا
فَاتَّبَعَهُمْ مُتَّبِعٌ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ صِحَّتَهُ فَهُوَ
مُتَّبِعٌ لَهُمْ ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَحْمُودًا عَلَى ذَلِكَ ، وَأَنْ
يَسْتَحِقَّ الرِّضْوَانَ ، وَلَوْ كَانَ اتِّبَاعُهُمْ تَقْلِيدًا مَحْضًا
كَتَقْلِيدِ بَعْضِ الْمُفْتِينَ لَمْ يَسْتَحِقَّ مَنْ اتَّبَعَهُمْ الرِّضْوَانَ
إلَّا أَنْ يَكُونَ عَامِّيًّا ، فَأَمَّا الْعُلَمَاءُ الْمُجْتَهِدُونَ فَلَا
يَجُوزُ لَهُمْ اتِّبَاعُهُمْ حِينَئِذٍ .
فَإِنْ قِيلَ : اتِّبَاعُهُمْ هُوَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالُوا بِالدَّلِيلِ
، وَهُوَ سُلُوكُ سَبِيلِ الِاجْتِهَادِ ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا قَالُوا
بِالِاجْتِهَادِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ { بِإِحْسَانٍ } وَمَنْ
قَلَّدَهُمْ لَمْ يَتَّبِعْهُمْ بِإِحْسَانٍ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُطْلَقُ
الِاتِّبَاعِ مَحْمُودًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الِاتِّبَاعِ بِإِحْسَانٍ أَوْ
بِغَيْرِ إحْسَانٍ ، وَأَيْضًا فَيَجُوزُ أَنْ يُرَادُ بِهِ اتِّبَاعُهُمْ فِي
أُصُولِ الدِّينِ ، وَقَوْلُهُ { بِإِحْسَانٍ } أَيْ بِالْتِزَامِ الْفَرَائِضِ
وَاجْتِنَابِ الْمَحَارِمِ ، وَيَكُونُ الْمَقْصُودُ أَنَّ السَّابِقِينَ قَدْ
وَجَبَ لَهُمْ الرِّضْوَانُ ، وَإِنْ أَسَاءُوا ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَمَا يُدْرِيك أَنَّ اللَّهَ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ
بَدْرٍ فَقَالَ : اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ } ، وَأَيْضًا
فَالثَّنَاءُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَهُمْ كُلَّهُمْ ، وَذَلِكَ اتِّبَاعُهُمْ فِيمَا
أَجْمَعُوا عَلَيْهِ ، وَأَيْضًا فَالثَّنَاءُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَهُمْ لَا
يَقْتَضِي وُجُوبَهُ ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِهِمْ ، وَذَلِكَ
دَلِيلُ جَوَازِتَقْلِيدِ الْعَالِمِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ طَائِفَةٍ مِنْ
الْعُلَمَاءِ ، أَوْ تَقْلِيدِ الْأَعْلَمِ كَقَوْلِ طَائِفَةٍ أُخْرَى .أَمَّا
الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِهِمْ فَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَقْتَضِيهِ .
فَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهِ : أَحَدُهَا : أَنَّ الِاتِّبَاعَ لَا
يَسْتَلْزِمُ الِاجْتِهَادَ لِوُجُوهٍ ،



أَحَدُهَا : أَنَّ الِاتِّبَاعَ
الْمَأْمُورَ بِهِ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ { فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ
اللَّهُ } { وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ
سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ } وَنَحْوُهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَى
صِحَّةِ الْقَوْلِ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ الْقَائِلِ ؛



الثَّانِي : أَنَّهُ لَوْ كَانَ
الْمُرَادُ اتِّبَاعَهُمْ فِي الِاسْتِدْلَالِ وَالِاجْتِهَادِ لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ
بَيْنَ السَّابِقِينَ وَبَيْنَ جَمِيعِ الْخَلَائِقِ ؛ لِأَنَّ اتِّبَاعَ مُوجِبِ
الدَّلِيلِ يَجِبُ أَنْ يَتَّبِعَ فِيهِ كُلُّ أَحَدٍ ، فَمَنْ قَالَ قَوْلًا
بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ وَجَبَ مُوَافَقَتُهُ فِيهِ ؛



الثَّالِثُ : أَنَّهُ إمَّا أَنْ
تَجُوزَ مُخَالَفَتُهُمْ فِي قَوْلِهِمْ بَعْدَ الِاسْتِدْلَالِ أَوْ لَا تَجُوزُ
، فَإِنْ لَمْ تَجُزْ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ ، وَإِنْ جَازَتْ مُخَالَفَتُهُمْ
فَقَدْ خُولِفُوا فِي خُصُوصِ الْحُكْمِ وَاتَّبَعُوا فِي أَحْسَنِ
الِاسْتِدْلَالِ ، فَلَيْسَ جَعْلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُتْبِعًا
لِمُوَافَقَتِهِمْ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِأَوْلَى مِنْ جَعْلِهِ مُخَالِفًا
لِمُخَالَفَتِهِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ ؛



الرَّابِعُ : أَنَّ مَنْ
خَالَفَهُمْ فِي الْحُكْمِ الَّذِي أَفْتَوْا بِهِ لَا يَكُونُ مُتَّبِعًا لَهُمْ
أَصْلًا ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ خَالَفَ مُجْتَهِدًا مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فِي
مَسْأَلَةٍ بَعْدَ اجْتِهَادٍ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ " اتَّبِعْهُ "
، وَإِنْ أَطْلَقَ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِأَنْ يُقَالَ اتَّبِعْهُ
فِي الِاسْتِدْلَالِ أَوْ الِاجْتِهَادِ .
الْخَامِسُ : أَنَّ الِاتِّبَاعَ افْتِعَالٌ مِنْ اتَّبَعَ ، وَكَوْنُ
الْإِنْسَانِ تَابِعًا لِغَيْرِهِ نَوْعَ افْتِقَارٍ إلَيْهِ وَمَشْيٍ خَلْفَهُ ،
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ الْمُسْتَدِلِّينَ لَيْسَ تَبَعًا
لِلْآخَرِ وَلَا مُفْتَقِرًا إلَيْهِبِمُجَرَّدِ ذَلِكَ حَتَّى
يَسْتَشْعِرَ مُوَافَقَتَهُ وَالِانْقِيَادَ لَهُ ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ أَنْ
يُقَالَ لِمَنْ وَافَقَ رَجُلًا فِي اجْتِهَادِهِ أَوْ فَتْوَاهُ اتِّفَاقًا
إنَّهُ مُتَّبِعٌ لَهُ .
السَّادِسُ : أَنَّ الْآيَةَ قُصِدَ بِهَا مَدْحُ السَّابِقِينَ وَالثَّنَاءُ
عَلَيْهِمْ ، وَبَيَانُ اسْتِحْقَاقِهِمْ أَنْ يَكُونُوا أَئِمَّةً مَتْبُوعِينَ ،
وَبِتَقْدِيرِ أَلَّا يَكُونَ قَوْلُهُمْ مُوجِبًا لِلْمُوَافَقَةِ وَلَا مَانِعًا
مِنْ الْمُخَالَفَةِ - بَلْ إنَّمَا يَتَّبِعُ الْقِيَاسَ مَثَلًا - لَا يَكُونُ
لَهُمْ هَذَا الْمَنْصِبُ ، وَلَا يَسْتَحِقُّونَ هَذَا الْمَدْحَ وَالثَّنَاءَ ؛ السَّابِعُ
:
أَنَّ مَنْ خَالَفَهُمْ فِي خُصُوصِ الْحُكْمِ فَلَمْ يَتَّبِعْهُمْ فِي
ذَلِكَ الْحُكْمِ وَلَا فِيمَا اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ فَلَا
يَكُونُ مُتَّبِعًا لَهُمْ بِمُجَرَّدِ مُشَارَكَتِهِمْ فِي صِفَةٍ عَامَّةٍ ،
وَهِيَ مُطْلَقُ الِاسْتِدْلَالِ وَالِاجْتِهَادِ ، وَلَا سِيَّمَا وَتِلْكَ
الصِّفَةُ الْعَامَّةُ لَا اخْتِصَاصَ لَهَا بِهِ ؛ لِأَنَّ مَا يَنْفِي الِاتِّبَاعَ
أَخَصُّ مِمَّا يُثْبِتُهُ .وَإِذَا وُجِدَ الْفَارِقُ الْأَخَصُّ وَالْجَامِعُ
الْأَعَمُّ - وَكِلَاهُمَا مُؤَثِّرٌ - كَانَ التَّفْرِيقُ رِعَايَةً لِلْفَارِقِ
أَوْلَى مِنْ الْجَمْعِ رِعَايَةً لِلْجَامِعِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : {
بِإِحْسَانٍ } فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَجْتَهِدَ ، وَافَقَ أَوْ خَالَفَ ؛
لِأَنَّهُ إذَا خَالَفَ لَمْ يَتَّبِعْهُمْ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ بِإِحْسَانٍ
، وَلِأَنَّ مُطْلَقَ الِاجْتِهَادِ لَيْسَ فِيهِ اتِّبَاعٌ لَهُمْ ، لَكِنَّ
الِاتِّبَاعَ لَهُمْ اسْمٌ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَنْ وَافَقَهُمْ فِي
الِاعْتِقَادِ وَالْقَوْلِ ، فَلَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَّبِعُ
مُحْسِنًا بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَاجْتِنَابِ الْمَحَارِمِ ؛ لِئَلَّا يَقَعَ
الِاغْتِرَارُ بِمُجَرَّدِ الْمُوَافَقَةِ قَوْلًا ، وَأَيْضًا فَلَا بُدَّ أَنْ
يُحْسِنَ الْمُتَّبِعُ لَهُمْ الْقَوْلَ فِيهِمْ ، وَلَا يَقْدَحُ فِيهِمْ ،
اشْتَرَطَ اللَّهُ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِأَنْ سَيَكُونُ أَقْوَامٌ يَنَالُونَ
مِنْهُمْ .وَهَذَا مِثْلُ قَوْله تَعَالَى بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْمُهَاجِرِينَ
وَالْأَنْصَارَ {وَاَلَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ
وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا } وَأَمَّا تَخْصِيصُ
اتِّبَاعِهِمْ بِأُصُولِ الدِّينِ دُونَ فُرُوعِهِ فَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ
الِاتِّبَاعَ عَامٌّ ، وَلِأَنَّ مَنْ اتَّبَعَهُمْ فِي أُصُولِ الدِّينِ فَقَطْ
لَوْ كَانَ مُتَّبِعًا لَهُمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَكُنَّا مُتَّبِعِينَ
لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَلَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ اتِّبَاعِ
السَّابِقِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَغَيْرِهَا .
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إذَا قِيلَ " فُلَانٌ يَتَّبِعُ فُلَانًا ، وَاتَّبِعْ
فُلَانًا ، وَأَنَا مُتَّبِعٌ فُلَانًا " ، وَلَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ
بِقَرِينَةٍ لَفْظِيَّةٍ وَلَا حَالِيَّةٍ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي اتِّبَاعَهُ فِي
كُلِّ الْأُمُورِ الَّتِي يَتَأَتَّى فِيهَا الِاتِّبَاعُ ؛ لِأَنَّ مَنْ
اتَّبَعَهُ فِي حَالٍ وَخَالَفَهُ فِي أُخْرَى لَمْ يَكُنْ وَصْفُهُ بِأَنَّهُ
مُتَّبِعٌ أَوْلَى مِنْ وَصْفِهِ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ ؛ وَلِأَنَّ الرِّضْوَانَ
حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِاتِّبَاعِهِمْ ، فَيَكُونُ الِاتِّبَاعُ سَبَبًا لَهُ ؛
لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُعَلَّقَ بِمَا هُوَ مُشْتَقٌّ يَقْتَضِي أَنَّ مَا مِنْهُ
الِاشْتِقَاقُ سَبَبٌ ، وَإِذَا كَانَ اتِّبَاعُهُمْ سَبَبًا لِلرِّضْوَانِ
اقْتَضَى الْحُكْمَ فِي جَمِيعِ مَوَارِدِهِ ، وَلَا اخْتِصَاصَ لِلِاتِّبَاعِ
بِحَالٍ دُونَ حَالٍ ، وَلِأَنَّ الِاتِّبَاعَ يُؤْذِنُ بِكَوْنِ الْإِنْسَانِ
تَبَعًا لِغَيْرِهِ وَفَرْعًا عَلَيْهِ ، وَأُصُولُ الدِّينِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ
وَلِأَنَّ الْآيَةَ تَضَمَّنَتْ الثَّنَاءَ عَلَيْهِمْ وَجَعْلَهُمْ أَئِمَّةً
لِمَنْ بَعْدَهُمْ ، فَلَوْ لَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا اتِّبَاعَهُمْ فِي أُصُولِ
الدِّينِ دُونَ الشَّرَائِعِ لَمْ يَكُونُوا أَئِمَّةً فِي ذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ
مَعْلُومٌ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ اتِّبَاعِهِمْ .






فَصْلٌ
: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ " إنَّ الثَّنَاءَ عَلَى مَنْ اتَّبَعَهُمْ كُلَّهُمْ
"



فَنَقُولُ : الْآيَةُ اقْتَضَتْ
الثَّنَاءَ عَلَى مَنْ يَتَّبِعُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ {
وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَاَلَّذِينَ
اتَّبَعُوهُمْ } يَقْتَضِي حُصُولَ الرِّضْوَانِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ
السَّابِقِينَ وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ فِي قَوْلِهِ { رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي } وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ {
اتَّبَعُوهُمْ } لِأَنَّهُ حُكْمٌ عَلَّقَ عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ،
فَقَدْ تَنَاوَلَهُمْ مُجْتَمِعِينَ وَمُنْفَرِدِينَ .
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَحْكَامِ الْمُعَلَّقَةِ بِأَسْمَاءٍ
عَامَّةٍ ثُبُوتُهَا لِكُلِّ فَرَدٍّ فَرْدٌ مِنْ تِلْكَ الْمُسَمَّيَاتِ
كَقَوْلِهِ { أَقِيمُوا الصَّلَاةَ } وَقَوْلِهِ { لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ
الْمُؤْمِنِينَ } وقَوْله تَعَالَى { اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ
الصَّادِقِينَ } وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَحْكَامَ الْمُعَلَّقَةَ عَلَى
الْمَجْمُوعِ يُؤْتَى فِيهَا بِاسْمٍ يَتَنَاوَلُ الْمَجْمُوعَ دُونَ الْأَفْرَادِ
كَقَوْلِهِ { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } وَقَوْلِهِ { كُنْتُمْ
خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } وَ قَوْلِهِ { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ
الْمُؤْمِنِينَ } فَإِنَّ لَفْظَ الْأُمَّةِ وَلَفْظَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ لَا
يُمْكِنُ تَوْزِيعُهُ عَلَى أَفْرَادِ الْأُمَّةِ ، وَأَفْرَادِ الْمُؤْمِنِينَ ،
بِخِلَافِ لَفْظِ السَّابِقِينَ فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ
السَّابِقِينَ .
وَأَيْضًا فَالْآيَةُ تَعُمُّ اتِّبَاعَهُمْ مُجْتَمِعِينَ وَمُنْفَرِدِينَ فِي
كُلِّ مُمْكِنٍ ؛ فَمَنْ اتَّبَعَ جَمَاعَتَهُمْ إذَا اجْتَمَعُوا وَاتَّبَعَ
آحَادَهُمْ فِيمَا وَجَدَ عَنْهُمْ مِمَّا لَمْ يُخَالِفْهُ فِيهِ غَيْرُهُ
مِنْهُمْ فَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ اتَّبَعَ السَّابِقِينَ ، أَمَّا مَنْ
خَالَفَ بَعْضَ السَّابِقِينَ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ " اتَّبَعَ
السَّابِقِينَ " لِوُجُودِ مُخَالَفَتِهِ لِبَعْضِهِمْ ، لَا سِيَّمَا إذَا
خَالَفَ هَذَا مَرَّةً ، وَهَذَا مَرَّةً ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْجَوَابُ عَنْ
اتِّبَاعِهِمْإذَا اخْتَلَفُوا ؛ فَإِنَّ اتِّبَاعَهُمْ هُنَاكَ قَوْلُ
بَعْضِ تِلْكَ الْأَقْوَالِ بِاجْتِهَادٍ وَاسْتِدْلَالٍ ، إذْ هُمْ مُجْتَمِعُونَ
عَلَى تَسْوِيَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَقْوَالِ لِمَنْ أَدَّى
اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ ، فَقَدْ قَصَدَ اتِّبَاعَهُمْ أَيْضًا ، أَمَّا إذَا قَالَ
الرَّجُلُ قَوْلًا ، وَلَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ فَلَا يَعْلَمُ أَنَّ
السَّابِقِينَ سَوَّغُوا خِلَافَ ذَلِكَ الْقَوْلِ ، وَأَيْضًا فَالْآيَةُ
تَقْتَضِي اتِّبَاعَهُمْ مُطْلَقًا .
فَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ الطَّالِبَ وَقَفَ عَلَى نَصٍّ يُخَالِفُ قَوْلَ
الْوَاحِدِ مِنْهُمْ فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَوْ ظَفِرَ بِذَلِكَ النَّصِّ لَمْ
يَعْدِلْ عَنْهُ ، أَمَّا إذَا رَأَيْنَا رَأْيًا فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ
ذَلِكَ الرَّأْيِ ، وَأَيْضًا فَلَوْ لَمْ يَكُنْ اتِّبَاعُهُمْ إلَّا فِيمَا
أَجْمَعُوا عَلَيْهِ كُلَّهُمْ لَمْ يَحْصُلْ اتِّبَاعُهُمْ إلَّا فِيمَا قَدْ
عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ بِالِاضْطِرَارِ ؛ لِأَنَّ السَّابِقِينَ
الْأَوَّلِينَ خَلْقٌ عَظِيمٌ ، وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا إلَّا عَلَى
ذَلِكَ ؛ فَيَكُونُ هَذَا الْوَجْهُ هُوَ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ
بُطْلَانُهُ ؛ إذْ الِاتِّبَاعُ فِي ذَلِكَ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ ، وَأَيْضًا
فَجَمِيعُ السَّابِقِينَ قَدْ مَاتَ مِنْهُمْ أُنَاسٌ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ
الْوَقْتِ إلَى اتِّبَاعِهِمْ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لَوْ فَرَضْنَا أَحَدًا يَتَّبِعُهُمْ
إذْ ذَاكَ لَكَانَ مِنْ السَّابِقِينَ ، فَحَاصِلُهُ أَنَّ التَّابِعِينَ لَا
يُمْكِنُهُمْ اتِّبَاعُ جَمِيعِ السَّابِقِينَ ، وَأَيْضًا فَإِنَّ مَعْرِفَةَ
قَوْلِ جَمِيعِ السَّابِقِينَ كَالْمُتَعَذَّرِ ، فَكَيْفَ يُتَّبَعُونَ كُلُّهُمْ
فِي شَيْءٍ لَا يَكَادُ يُعْلَمُ ؟ وَأَيْضًا فَإِنَّهُمْ إنَّمَا اسْتَحَقُّوا
مَنْصِبَ الْإِمَامَةِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ بِكَوْنِهِمْ هُمْ السَّابِقِينَ ،
وَهَذِهِ صِفَةٌ مَوْجُودَةٌ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ
كُلٌّ مِنْهُمْ إمَامًا لِلْمُتَّقِينَ كَمَا اسْتَوْجَبَ الرِّضْوَانَوَالْجَنَّةَ
.



فَصْلٌ
: وَأَمَّا قَوْلُهُ " لَيْسَ فِيهَا مَا يُوجِبُ اتِّبَاعُهُمْ "



فَنَقُولُ : الْآيَةُ تَقْتَضِي
الرِّضْوَانَ عَمَّنْ اتَّبَعَهُمْ بِإِحْسَانٍ ، وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى
أَنَّ الْقَوْلَ فِي الدِّينِ بِغَيْرِ عِلْمٍ حَرَامٌ ؛ فَلَا يَكُونُ
اتِّبَاعُهُمْ قَوْلًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ، بَلْ قَوْلًا بِعِلْمٍ ، وَهَذَا هُوَ
الْمَقْصُودُ ، وَحِينَئِذٍ فَسَوَاءٌ يُسَمَّى تَقْلِيدًا أَوْ اجْتِهَادًا ،
وَأَيْضًا فَإِنْ كَانَ تَقْلِيدُ الْعَالِمُ لِلْعَالِمِ حَرَامًا كَمَا هُوَ
قَوْلُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَاتِّبَاعُهُمْ لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ
لِأَنَّهُ مَرَضِيٌّ ، وَإِنْ كَانَ تَقْلِيدُهُمْ جَائِزًا أَوْ كَانَ
تَقْلِيدُهُمْ مُسْتَثْنًى مِنْ التَّقْلِيدِ الْمُحَرَّمِ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ
إنَّ تَقْلِيدَ الْعُلَمَاءِ مِنْ مُوجِبَاتِ الرِّضْوَانِ ؛ فَعُلِمَ أَنَّ
تَقْلِيدَهُمْ خَارِجٌ عَنْ هَذَا ، لِأَنَّ تَقْلِيدَ الْعَالِمِ ، وَإِنْ كَانَ
جَائِزًا فَتَرَكَهُ إلَى قَوْلِ غَيْرِهِ أَوْ إلَى اجْتِهَادٍ جَائِزٌ أَيْضًا
بِالِاتِّفَاقِ ، وَالشَّيْءُ الْمُبَاحُ لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الرِّضْوَانُ ،
وَأَيْضًا فَإِنَّ رِضْوَانَ اللَّهِ غَايَةُ الْمَطَالِبِ الَّتِي لَا تُنَالُ
إلَّا بِأَفْضَلِ الْأَعْمَالِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّقْلِيدَ الَّذِي يَجُوزُ
خِلَافُهُ لَيْسَ بِأَفْضَلِ الْأَعْمَالِ ، بَلْ الِاجْتِهَادُ أَفْضَلُ مِنْهُ ،
فَعُلِمَ أَنَّ اتِّبَاعَهُمْ هُوَ أَفْضَلُ مَا يَكُونُ فِي مَسْأَلَةٍ
اخْتَلَفُوا فِيهَا هُمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَأَنَّ اتِّبَاعَهُمْ دُونَ مَنْ
بَعْدَهُمْ هُوَ الْمُوجِبُ لِرِضْوَانِ اللَّهِ ؛ فَلَا رَيْبَ أ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mazra3a-islam.forumarabia.com
بشار بن برد
Admin
avatar

المساهمات : 500
تاريخ التسجيل : 24/06/2011

مُساهمةموضوع: رد: سلسلة إحياء مذهب الصحابة وفقه الصحابة   الأربعاء مارس 14, 2012 4:58 pm

لِيَكُونَ
الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ }
فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ اجْتَبَاهُمْ ، وَالِاجْتِبَاءُ كَالِاصْطِفَاءِ ،
وَهُوَ افْتِعَالٌ مِنْ " اجْتَبَى الشَّيْءَ يَجْتَبِيه " إذَا ضَمَّهُ
إلَيْهِ وَحَازَهُ إلَى نَفْسِهِ ، فَهُمْ الْمُجْتَبُونَ الَّذِينَ اجْتَبَاهُمْ
اللَّهُ إلَيْهِ وَجَعَلَهُمْ أَهْلَهُ وَخَاصَّتَهُ وَصَفْوَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ
بَعْدَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ ، وَلِهَذَا أَمَرَهُمْ تَعَالَى أَنْ
يُجَاهِدُوا فِيهِ حَقَّ جِهَادِهِ ، فَيَبْذُلُوا لَهُ أَنْفُسَهُمْ ،
وَيُفْرِدُوهُ بِالْمَحَبَّةِ وَالْعُبُودِيَّةِ ، وَيَخْتَارُوهُ وَحْدَهُ إلَهًا
مَعْبُودًا مَحْبُوبًا عَلَى كُلِّ مَا سِوَاهُ كَمَا اخْتَارَهُمْ عَلَى مَنْ
سِوَاهُمْ ، فَيَتَّخِذُونَهُ وَحْدَهُ إلَهَهُمْوَمَعْبُودَهُمْ الَّذِي
يَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَجَوَارِحِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ
وَمَحَبَّتِهِمْ ، وَإِرَادَتِهِمْ ، فَيُؤْثِرُونَهُ فِي كُلِّ حَالٍ عَلَى مَنْ
سِوَاهُ ، كَمَا اتَّخَذَهُمْ عَبِيدَهُ ، وَأَوْلِيَاءَهُ ، وَأَحِبَّاءَهُ
وَآثَرَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ ، ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ تَعَالَى أَنْ
يَسَّرَ عَلَيْهِمْ دِينَهُ غَايَةَ التَّيْسِيرِ ، وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِمْ
فِيهِ مِنْ حَرَجٍ أَلْبَتَّةَ لِكَمَالِ مَحَبَّتِهِ لَهُمْ وَرَأْفَتِهِ
وَرَحْمَتِهِ وَحَنَانِهِ بِهِمْ ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِلُزُومِ مِلَّةَ إمَامِ
الْحُنَفَاءِ أَبِيهِمْ إبْرَاهِيمَ ، وَهِيَ إفْرَادُهُ تَعَالَى وَحْدَهُ
بِالْعُبُودِيَّةِ وَالتَّعْظِيمِ وَالْحُبِّ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَالتَّوَكُّلِ
وَالْإِنَابَةِ وَالتَّفْوِيضِ وَالِاسْتِسْلَامِ ؛ فَيَكُونُ تَعَلُّقُ ذَلِكَ
مِنْ قُلُوبِهِمْ بِهِ وَحْدَهُ لَا بِغَيْرِهِ ، ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ
نَوَّهَ بِهِمْ وَسَمَّاهُمْ كَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَوْجَدَهُمْ اعْتِنَاءً بِهِمْ
وَرِفْعَةً لِشَأْنِهِمْ ، وَإِعْلَاءً لِقَدْرِهِمْ ، ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى
أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِيُشْهِدَ عَلَيْهِمْ رَسُولُهُ وَيَشْهَدُوا هُمْ عَلَى
النَّاسِ ؛ فَيَكُونُونَ مَشْهُودًا لَهُمْ بِشَهَادَةِ الرَّسُولِ شَاهِدِينَ
عَلَى الْأُمَمِ بِقِيَامِ حُجَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، فَكَانَ هَذَا
التَّنْوِيهُ ، وَإِشَارَةُ الذِّكْرِ لِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ الْجَلِيلَيْنِ
وَلِهَاتَيْنِ الْحِكْمَتَيْنِ الْعَظِيمَتَيْنِ ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُمْ إذَا
كَانُوا بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَهُ تَعَالَى فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ
يَحْرِمَهُمْ كُلَّهُمْ الصَّوَابَ فِي مَسْأَلَةٍ فَيُفْتِي فِيهَا بَعْضُهُمْ
بِالْخَطَأِ ، وَلَا يُفْتِي فِيهَا غَيْرُهُ بِالصَّوَابِ ، وَيَظْفَرُ فِيهَا
بِالْهُدَى مِنْ بَعْدِهِمْ ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .
الْوَجْهُ الْحَادِيَ عَشَرَ : قَوْله تَعَالَى { : وَمَنْ
يَعْتَصِمْ بِاَللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } وَوَجْهُ
الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ الْمُعْتَصِمِينَ بِهِ
بِأَنَّهُمْ قَدْ هُدُوا إلَى الْحَقِّ ؛ فَنَقُولُ : الصَّحَابَةُ
رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مُعْتَصِمُونَبِاَللَّهِ فَهُمْ مُهْتَدُونَ
، فَاتِّبَاعُهُمْ وَاجِبٌ ، أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الْثانية فَتَقْرِيرُهَا مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا : قَوْله تَعَالَى : {
وَاعْتَصِمُوا بِاَللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ
} وَمَعْلُومٌ كَمَالُ تَوَلِّي اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ وَنَصْرُهُ إيَّاهُمْ
أَتَمَّ نُصْرَةٍ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ اعْتَصِمُوا بِهِ أَتَمَّ
اعْتِصَامٍ ، فَهُمْ مَهْدِيُّونَ بِشَهَادَةِ الرَّبِّ لَهُمْ بِلَا شَكٍّ ،
وَاتِّبَاعُ الْمَهْدِيِّ وَاجِبٌ شَرْعًا وَعَقْلًا وَفِطْرَةً بِلَا شَكٍّ ،
وَمَا يَرِدُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْ أَنَّ الْمُتَابَعَةَ لَا تَسْتَلْزِمُ
الْمُتَابَعَةَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ فَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَابُهُ .
الْوَجْهُ الثَّانِي عَشَرَ : قَوْله تَعَالَى عَنْ أَصْحَابِ
مُوسَى : { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا
وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ } فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ جَعَلَهُمْ
أَئِمَّةً يَأْتَمُّ بِهِمْ مَنْ بَعْدَهُمْ لِصَبْرِهِمْ وَيَقِينِهِمْ ؛ إذْ
بِالصَّبْرِ وَالْيَقِينِ تُنَالُ الْإِمَامَةُ فِي الدِّينِ فَإِنَّ الدَّاعِيَ
إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا يَتِمُّ لَهُ أَمْرُهُ إلَّا بِيَقِينِهِ لِلْحَقِّ
الَّذِي يَدْعُو إلَيْهِ وَبَصِيرَتِهِ بِهِ وَصَبْرِهِ عَلَى تَنْفِيذِ
الدَّعْوَةِ إلَى اللَّهِ بِاحْتِمَالِ مَشَاقِّ الدَّعْوَةِ وَكَفِّ النَّفْسِ
عَمَّا يُوهِنُ عَزْمَهُ وَيُضْعِفُ إرَادَتَهُ ، فَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ
الْمَثَابَةِ كَانَ مِنْ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ يَهْدُونَ بِأَمْرِهِ تَعَالَى
وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَحَقُّ ، وَأَوْلَى بِهَذَا الْوَصْفِ مِنْ أَصْحَابِ مُوسَى ، فَهُمْ أَكْمَلُ
يَقِينًا ، وَأَعْظَمُ صَبْرًا مِنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ ، فَهُمْ أَوْلَى
بِمَنْصِبِ هَذِهِ الْإِمَامَةِ ، وَهَذَا أَمْرٌ ثَابِتٌ بِلَا شَكٍّ بِشَهَادَةِ
اللَّهِ لَهُمْ وَثَنَائِهِ عَلَيْهِمْ ، وَشَهَادَةِ الرَّسُولِ لَهُمْ
بِأَنَّهُمْ خَيْرُ الْقُرُونِ ، وَأَنَّهُمْ خِيرَةُ اللَّهِ وَصَفْوَتُهُ ،
وَمِنْ الْمُحَالِ عَلَى مَنْ هَذَا شَأْنُهُمْ أَنْ يُخْطِئُوا كُلُّهُمْ
الْحَقَّ ، وَيَظْفَرَ بِهِ الْمُتَأَخِّرُونَ ،وَلَوْ كَانَ هَذَا
مُمْكِنًا لَانْقَلَبَتْ الْحَقَائِقُ ، وَكَانَ الْمُتَأَخِّرُونَ أَئِمَّةً
لَهُمْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الرُّجُوعُ إلَى فَتَاوِيهِمْ ، وَأَقْوَالِهِمْ ،
وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ مُحَالٌ حِسًّا وَعَقْلًا فَهُوَ مُحَالٌ شَرْعًا ،
وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
الْوَجْهُ الثَّالِثَ عَشَرَ : قَوْله تَعَالَى { : وَاَلَّذِينَ
يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ
أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إمَامًا } ، وَإِمَامٌ بِمَعْنَى قُدْوَةٍ ،
وَهُوَ يَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ كَالْأُمَّةِ وَالْأُسْوَةِ ، وَقَدْ
قِيلَ : هُوَ جَمْعُ آمِمٍ كَصَاحِبِ وَصِحَابٍ وَرَاجِلٍ وَرِجَالٍ وَتَاجِرٍ
وَتُجَّارٍ ، وَقِيلَ : هُوَ مَصْدَرٌ كَقِتَالٍ وَضِرَابٍ ، أَيْ ذَوِي إمَامٍ ،
وَالصَّوَابُ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ ، فَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ الْمُتَّقِينَ
وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِمْ ، وَالتَّقْوَى وَاجِبَةٌ ،
وَالِائْتِمَامُ بِهِمْ وَاجِبٌ ، وَمُخَالَفَتُهُمْ فِيمَا أَفْتَوْا بِهِ
مُخَالِفٌ لِلِائْتِمَامِ بِهِمْ ، وَإِنْ قِيلَ " نَحْنُ نَأْتَمُّ بِهِمْ
فِي الِاسْتِدْلَالِ وَأُصُولِ الدِّينِ " فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ جَوَابِ
هَذَا مَا فِيهِ كِفَايَةٌ
الْوَجْهُ الرَّابِعَ عَشَرَ : مَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ أَنَّهُ قَالَ : {
خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْت فِيهِمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ
يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ } فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ خَيْرَ الْقُرُونِ قَرْنَهُ مُطْلَقًا ،
وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَقْدِيمَهُمْ فِي كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْخَيْرِ ،
إلَّا لَوْ كَانُوا خَيْرًا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ ، فَلَا يَكُونُونَ خَيْرَ
الْقُرُونِ مُطْلَقًا ، فَلَوْ جَازَ أَنْ يُخْطِئَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ فِي حُكْمٍ
وَسَائِرُهُمْ لَمْ يُفْتُوا بِالصَّوَابِ - ، وَإِنَّمَا ظَفَرَ بِالصَّوَابِ
مَنْ بَعْدَهُمْ ، وَأَخْطَئُوا هُمْ - لَزِمَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقَرْنُ
خَيْرًا مِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ ؛ لِأَنَّ الْقَرْنَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى
الصَّوَابِ خَيْرٌ مِنْ الْقَرْنِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْخَطَأِ فِيذَلِكَ
الْفَنِّ ، ثُمَّ هَذَا يَتَعَدَّدُ فِي مَسَائِلَ عَدِيدَةٍ ؛ لِأَنَّ مَنْ
يَقُولُ " قَوْلُ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ " يَجُوزُ عِنْدَهُ
أَنْ يَكُونَ مَنْ بَعْدَهُمْ أَصَابَ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ قَالَ فِيهَا
الصَّحَابِيُّ قَوْلًا ، وَلَمْ يُخَالِفْهُ صَحَابِيٌّ آخَرُ ، وَفَاتَ هَذَا
الصَّوَابُ الصَّحَابَةَ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا يَأْتِي فِي مَسَائِلَ
كَثِيرَةٍ تَفُوقُ الْعَدَّ وَالْإِحْصَاءَ ، فَكَيْفَ يَكُونُونَ خَيْرًا مِمَّنْ
بَعْدَهُمْ وَقَدْ امْتَازَ الْقَرْنُ الَّذِي بَعْدَهُمْ بِالصَّوَابِ فِيمَا
يَفُوقُ الْعَدَّ وَالْإِحْصَاءَ مِمَّا أَخْطَئُوا فِيهِ ؟ وَمَعْلُومٌ أَنَّ
فَضِيلَةَ الْعِلْمِ وَمَعْرِفَةَ الصَّوَابِ أَكْمَلُ الْفَضَائِلِ ،
وَأَشْرَفُهَا ، فَيَا سُبْحَانَ اللَّهِ ، أَيُّ وَصْمَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ
يَكُونَ الصِّدِّيقُ أَوْ الْفَارُوقُ أَوْ عُثْمَانُ أَوْ عَلِيٌّ أَوْ ابْنُ
مَسْعُودٍ أَوْ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ أَوْ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ،
وَأَضْرَابُهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَدْ أَخْبَرَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ
أَنَّهُ كَيْتَ وَكَيْتَ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ ، وَأَخْطَأَ فِي ذَلِكَ ،
وَلَمْ يَشْتَمِلْ قَرْنُهُمْ عَلَى نَاطِقٍ بِالصَّوَابِ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ
حَتَّى تَبِعَ مَنْ بَعْدَهُمْ فَعَرَفُوا حُكْمَ اللَّهِ الَّذِي جَهِلَهُ
أُولَئِكَ السَّادَةُ ، وَأَصَابُوا الْحَقَّ الَّذِي أَخْطَأَهُ أُولَئِكَ
الْأَئِمَّةُ ؟ سُبْحَانَك هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ، .
الْوَجْهُ الْخَامِسَ عَشَرَ
: مَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ
حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : { صَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ مَعَ
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنَا : لَوْ جَلَسْنَا
حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ الْعِشَاءَ ، فَجَلَسْنَا ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ :
مَا زِلْتُمْ هَاهُنَا ؟ فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّيْنَا مَعَك
الْمَغْرِبَ ثُمَّ قُلْنَا نَجْلِسُ حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَك الْعِشَاءَ ، قَالَ :
أَحْسَنْتُمْ ، وَأَصَبْتُمْ وَرَفَعَ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ ، وَكَانَ
كَثِيرًا مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ ، فَقَالَ النُّجُومُ أَمَنَةٌ
لِلسَّمَاءِ ، فَإِذَا ذَهَبَتْ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ ،وَأَنَا
أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي ، فَإِذَا ذَهَبْت أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ ، وَأَصْحَابِي
أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي ، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ }



وَوَجْهُ
الِاسْتِدْلَالِ
بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ جَعَلَ نِسْبَةَ أَصْحَابِهِ إلَى
مَنْ بَعْدَهُمْ كَنِسْبَتِهِ إلَى أَصْحَابِهِ ، وَكَنِسْبَةِ النُّجُومِ إلَى
السَّمَاءِ ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذَا التَّشْبِيهَ يُعْطِي مِنْ وُجُوبِ
اهْتِدَاءِ الْأُمَّةِ بِهِمْ مَا هُوَ نَظِيرُ اهْتِدَائِهِمْ بِنَبِيِّهِمْ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَظِيرُ اهْتِدَاءِ أَهْلِ الْأَرْضِ
بِالنُّجُومِ ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ جَعَلَ بَقَاءَهُمْ بَيْنَ الْأُمَّةِ
أَمَنَةً لَهُمْ ، وَحِرْزًا مِنْ الشَّرِّ وَأَسْبَابِهِ ، فَلَوْ جَازَ أَنْ
يُخْطِئُوا فِيمَا أَفْتَوْا بِهِ وَيَظْفَرَ بِهِ مَنْ بَعْدَهُمْ لَكَانَ
الظَّافِرُونَ بِالْحَقِّ أَمَنَةً لِلصَّحَابَةِ وَحِرْزًا لَهُمْ ، وَهَذَا مِنْ
الْمُحَالِ .
الْوَجْهُ السَّادِسَ عَشَرَ : مَا رَوَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ
بْنُ بَطَّةَ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ ]قَالَ : قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ مَثَلَ أَصْحَابِي فِي
أُمَّتِي كَمَثَلِ الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ ، لَا يَصْلُحُ الطَّعَامُ إلَّا
بِالْمِلْحِ } قَالَ الْحَسَنُ : قَدْ ذَهَبَ مِلْحُنَا فَكَيْفَ نَصْلُحُ ؟
وَرَوَى ابْنُ بَطَّةَ أَيْضًا بِإِسْنَادَيْنِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ
أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَمَّنْ سَمِعَ الْحَسَنَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَثَلُ أَصْحَابِي فِي النَّاسِ كَمَثَلِ
الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ } ثُمَّ يَقُولُ الْحَسَنُ : هَيْهَاتَ ، ذَهَبَ مِلْحُ
الْقَوْمِ ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ
الْجُعْفِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى يَعْنِي إسْرَائِيلَ - عَنْ الْحَسَنِ قَالَ :
قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَثَلُ أَصْحَابِي
كَمَثَلِ الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ } قَالَ : يَقُولُ الْحَسَنُ : هَلْ يَطِيبُ
الطَّعَامُ إلَّا بِالْمِلْحِ ؟ وَيَقُولُ الْحَسَنُ : فَكَيْفَ بِقَوْمٍ ذَهَبَ
مِلْحُهُمْ ؟ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَال أَنَّهُ شَبَّهَ أَصْحَابَهُ فِيصَلَاحِ
دِينِ الْأُمَّةِ بِهِمْ بِالْمِلْحِ الَّذِي صَلَاحُ الطَّعَامِ بِهِ ، فَلَوْ
جَازَ أَنْ يُفْتُوا بِالْخَطَأِ وَلَا يَكُونُ فِي عَصْرِهِمْ مَنْ يُفْتِي
بِالصَّوَابِ وَيَظْفَرُ بِهِ مَنْ بَعْدَهُمْ لَكَانَ مَنْ بَعْدَهُمْ مِلْحًا
لَهُمْ ، وَهَذَا مُحَالٌ .
يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمِلْحَ كَمَا أَنَّ بِهِ صَلَاحَ الطَّعَامِ ؛ فَالصَّوَابُ
بِهِ صَلَاحُ الْأَنَامِ ، فَلَوْ أَخْطَئُوا فِيمَا أَفْتَوْا بِهِ لَاحْتَاجَ
ذَلِكَ إلَى مِلْحٍ يُصْلِحُهُ ، فَإِذَا أَفْتَى مَنْ بَعْدَهُمْ بِالْحَقِّ
كَانَ قَدْ أَصْلَحَ خَطَأَهُمْ فَكَانَ مِلْحًا لَهُمْ .
الْوَجْهُ السَّابِعَ عَشَرَ : مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي
صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ قَالَ : سَمِعْت أَبَا صَالِحٍ يُحَدِّثْ عَنْ
أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
{ لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي ، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ
ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ } وَفِي لَفْظٍ " فَوَاَلَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ " ، وَهَذَا خِطَابٌ مِنْهُ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ
وَلِأَقْرَانِهِ مِنْ مُسْلِمَةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَالْفَتْحِ ، فَإِذَا كَانَ
مُدُّ أَحَدِ أَصْحَابِهِ أَوْ نَصِيفُهُ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ مِثْلِ
أُحُدٍ ذَهَبًا مِنْ مِثْلِ خَالِدٍ ، وَأَضْرَابِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ فَكَيْفَ
يَجُوزُ أَنْ يَحْرِمَهُمْ اللَّهُ الصَّوَابَ فِي الْفَتَاوَى وَيَظْفَرَ بِهِ
مَنْ بَعْدَهُمْ ؟ هَذَا مِنْ أَبْيَنِ الْمُحَالِ .
الْوَجْهُ الثَّامِنَ عَشَرَ : مَا رَوَى الْحُمَيْدِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ
طَلْحَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ عُوَيْلِمِ بْنِ سَاعِدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ
النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ اخْتَارَنِي
، وَاخْتَارَ لِي أَصْحَابًا ، فَجَعَلَ لِي مِنْهُمْ وُزَرَاءَ ، وَأَنْصَارًا ،
وَأَصْهَارًا } الْحَدِيثَ ، وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُحْرِمَ اللَّهُ الصَّوَابَ
مَنْ اخْتَارَهُمْ لِرَسُولِهِ وَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَهُ ، وَأَنْصَارَهُ ،
وَأَصْهَارَهُ وَيُعْطِيَهُ مَنْ بَعْدَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ .
الْوَجْهُ التَّاسِعَ عَشَرَ : مَا رَوَىأَبُو دَاوُد
الطَّيَالِسِيُّ ثنا الْمَسْعُودِيُّ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ ابْنِ
مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : إنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ
الْعِبَادِ فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ ، فَبَعَثَهُ
بِرِسَالَتِهِ ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ
فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ فَاخْتَارَهُمْ
لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ وَنُصْرَةِ دِينِهِ ، فَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا
فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ ، وَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ قَبِيحًا فَهُوَ
عِنْدَ اللَّهِ قَبِيحٌ ، وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُخْطِئَ الْحَقَّ فِي حُكْمِ
اللَّهِ خَيْرُ قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَظْفَرَ بِهِ مَنْ بَعْدَهُمْ ، وَأَيْضًا فَإِنَّ مَا
أَفْتَى بِهِ أَحَدُهُمْ وَسَكَتَ عَنْهُ الْبَاقُونَ كُلُّهُمْ فَإِمَّا أَنْ
يَكُونُوا قَدْ رَأَوْهُ حَسَنًا أَوْ يَكُونُوا قَدْ رَأَوْهُ قَبِيحًا ، فَإِنْ
كَانُوا قَدْ رَأَوْهُ حَسَنًا فَهُوَ حَسَنٌ عِنْدَ اللَّهِ ، وَإِنْ كَانُوا
قَدْ رَأَوْهُ قَبِيحًا ، وَلَمْ يُنْكِرُوهُ لَمْ تَكُنْ قُلُوبُهُمْ مِنْ خَيْرِ
قُلُوبِ الْعِبَادِ ، وَكَانَ مَنْ أَنْكَرَهُ بَعْدَهُمْ خَيْرًا مِنْهُمْ
وَأَعْلَمَ ، وَهَذَا مِنْ أَبْيَنِ الْمُحَالِ .
الْوَجْهُ الْعِشْرُونَ : مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ
ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : مَنْ كَانَ مُتَأَسِّيًا
فَلْيَتَأَسَّ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛
فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَبَرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا ، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا
، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا ، وَأَقْوَمَهَا هَدْيًا ، وَأَحْسَنَهَا حَالًا ،
قَوْمٌ اخْتَارَهُمْ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ ، وَإِقَامَةَ دِينِهِ
فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ ، وَاتَّبِعُوا آثَارَهُمْ ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا
عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ
، وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَحْرِمَ اللَّهُ
أَبَرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا ، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا ، وَأَقَلَّهَا
تَكَلُّفًا ، وَأَقْوَمَهَا هَدْيًا الصَّوَابَ فِي أَحْكَامِهِ وَيُوَفِّقَ لَهُ
مَنْ بَعْدَهُمْ .
الْوَجْهُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ :مَا رَوَاهُ
الطَّبَرَانِيُّ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ وَغَيْرُهُمَا عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ
الْيَمَانِ أَنَّهُ قَالَ : يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ ، خُذُوا طَرِيقَ مَنْ كَانَ
قَبْلَكُمْ ، فَوَاَللَّهِ لَئِنْ اسْتَقَمْتُمْ لَقَدْ سُبِقْتُمْ سَبْقًا
بَعِيدًا ، وَلَئِنْ تَرَكْتُمُوهُ يَمِينًا وَشِمَالًا لَقَدْ ضَلَلْتُمْ
ضَلَالًا بَعِيدًا .
وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ الصَّوَابُ ، فِي غَيْرِ طَرِيقِ مَنْ سَبَقَ إلَى
كُلِّ خَيْرٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ .
الْوَجْهُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ : مَا قَالَهُ جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ
اللَّهِ لِفِرْقَةٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْخَوَارِجِ ، فَقَالُوا : نَدْعُوك
إلَى كِتَابِ اللَّهِ ، فَقَالَ : أَنْتُمْ ؟ قَالُوا : نَحْنُ ، قَالَ : أَنْتُمْ
؟ قَالُوا : نَحْنُ ، فَقَالَ : يَا أَخَابِيثَ خَلْقِ اللَّهِ فِي اتِّبَاعِنَا
تَخْتَارُونَ الضَّلَالَةَ ، أَمْ فِي غَيْرِ سُنَّتِنَا تَلْتَمِسُونَ الْهُدَى ؟
اُخْرُجُوا عَنِّي ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنْ جَوَّزَ أَنْ تَكُونَ
الصَّحَابَةُ أَخْطَئُوا فِي فَتَاوِيهمْ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَخَالَفَهُمْ فِيهَا
فَقَدْ اتَّبَعَ الْحَقَّ فِي غَيْرِ سُنَّتِهِمْ ، وَقَدْ دَعَاهُ إلَى كِتَابِ
اللَّهِ ؛ فَإِنَّ كِتَابَ اللَّهِ إنَّمَا يَدْعُو إلَى الْحَقِّ ، وَكَفَى
ذَلِكَ إزْرَاءً عَلَى نُفُوسِهِمْ وَعَلَى الصَّحَابَةِ .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ : مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
مِنْ حَدِيثِ { الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ : وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا
الْعُيُونُ ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ ، فَقَالَ قَائِلٌ : يَا رَسُولَ
اللَّهِ كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إلَيْنَا ؟ فَقَالَ
: عَلَيْكُمْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ ، وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ
حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ ، وَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ
الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي ، تَمَسَّكُوا بِهَا ، وَعَضُّوا
عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ ، فَإِنَّ
كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ } ، وَهَذَا حَدِيثٌ
حَسَنٌ ، إسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ ، فَقَرَنَ سُنَّةَخُلَفَائِهِ
بِسُنَّتِهِ ، وَأَمَرَ بِاتِّبَاعِهَا كَمَا أَمَرَ بِاتِّبَاعِ سُنَّتِهِ ،
وَبَالَغَ فِي الْأَمْرِ بِهَا حَتَّى أَمَرَ بِأَنْ يُعَضَّ عَلَيْهَا
بِالنَّوَاجِذِ ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ مَا أَفْتَوْا بِهِ وَسَنُّوهُ لِلْأُمَّةِ
، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْ نَبِيِّهِمْ فِيهِ شَيْءٌ ، وَإِلَّا كَانَ ذَلِكَ
سُنَّتَهُ ، وَيَتَنَاوَلُ مَا أَفْتَى بِهِ جَمِيعُهُمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ أَوْ
بَعْضُهُمْ لِأَنَّهُ عَلَّقَ ذَلِكَ بِمَا سَنَّهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ ،
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ لَمْ يَسُنُّوا ذَلِكَ [ وَهُمْ خُلَفَاءُ ] فِي آنٍ وَاحِدٍ
، فَعُلِمَ أَنَّ مَا سَنَّهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي وَقْتِهِ فَهُوَ مِنْ
سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ .
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
مَهْدِيٍّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ سَمِعَ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ ،
فَذَكَرَ نَحْوَهُ .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ : مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ هِلَالٍ مَوْلَى
رِبْعِيٍّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ
بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، وَاهْتَدُوا بِهَدْيِ عَمَّارٍ ، وَتَمَسَّكُوا
بِعَهْدِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ
،وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ مَا تَقَدَّمَ فِي تَقْرِيرِ الْمُتَابَعَةِ .
الْوَجْهُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ : مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي
صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ
النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إنْ يُطِعْ الْقَوْمُ أَبَا
بَكْرٍ وَعُمَرَ يَرْشُدُوا } ، وَهُوَ فِي حَدِيثِ الْمِيضَأَةِ الطَّوِيلِ ،
فَجَعَلَ الرُّشْدَ مُعَلَّقًا بِطَاعَتِهِمَا ، فَلَوْ أَفْتَوْا بِالْخَطَأِ فِي
حُكْمٍ ، وَأَصَابَهُ مَنْ بَعْدَهُمْ لَكَانَ الرُّشْدُ فِي خِلَافِهِمَا .
الْوَجْهُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَلِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي شَأْنِ
تَأْمِيرِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ وَالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ لَوْ
اتَّفَقْتُمَا عَلَى شَيْءٍ لَمْ أُخَالِفْكُمَا } فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْبِرُ أَنَّهُ لَا يُخَالِفُهُمَا لَوْ اتَّفَقَا ،
وَمَنْ يَقُولُ قَوْلَهُمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ يُجَوِّزُ مُخَالَفَتَهُمَا ،
وَبَعْضُ غُلَاتِهِمْ يَقُولُ : لَا يَجُوزُ الْأَخْذُ بِقَوْلِهِمَا وَيَجِبُ
الْأَخْذُ بِقَوْلِ إمَامِنَا الَّذِي قَلَّدْنَاهُ ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي
كُتُبِهِمْ .
الْوَجْهُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَرَ إلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ هَذَانِ
السَّمْعُ وَالْبَصَرُ } أَيْ هُمَا مِنِّي بِمَنْزِلَةِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ ،
أَوْ هُمَا مِنْ الدِّينِ بِمَنْزِلَةِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ ، وَمِنْ الْمُحَالِ
أَنْ يُحْرَمَ سَمْعُ الدِّينِ وَبَصَرُهُ الصَّوَابَ وَيَظْفَرَ بِهِ مَنْ
بَعْدَهُمَا .



الْوَجْهُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ : مَا
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ
مَكْحُولٍ عَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : { مَرَّ فَتًى
عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : نِعْمَ الْفَتَى ، قَالَ :
فَتَبِعَهُ أَبُو ذَرٍّ ، فَقَالَ : يَا فَتَى اسْتَغْفِرْ لِي ، فَقَالَ : يَا
أَبَا ذَرٍّ أَسْتَغْفِرُ لَك ، وَأَنْتَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : اسْتَغْفِرْ لِي ، قَالَ : لَا أَوْ تُخْبِرَنِي ،
قَالَ : إنَّك مَرَرْت عَلَى عُمَرَ فَقَالَ : نِعْمَ الْفَتَى ، وَإِنِّي
سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إنَّ اللَّهَ
جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ } وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ
يَكُونَ الْخَطَأُ فِي مَسْأَلَةٍ أَفْتَى بِهَا مَنْ جَعَلَ اللَّهُ الْحَقَّ
عَلَى لِسَانِهِ وَقَلْبِهِ حَظَّهُ وَلَا يُنْكِرُهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ
الصَّحَابَةِ ، وَيَكُونُ الصَّوَابُ فِيهَا حَظُّ مَنْ بَعْدَهُ ، هَذَا مِنْ
أَبْيَنِ الْمُحَالِ .
الْوَجْهُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ : مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي
صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَدْ كَانَ فِيمَنْ خَلَا مِنْ
الْأُمَمِ أُنَاسٌ مُحَدَّثُونَ ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَهُوَ
عُمَرُ } ، وَهُوَ فِي الْمُسْنَدِ وَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ
أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْمُحَدَّثُ : هُوَ الْمُتَكَلِّمُ الَّذِي يُلْقِي اللَّهُ
فِي رُوعِهِ الصَّوَابَ يُحَدِّثُهُ بِهِ الْمَلَكُ عَنْ اللَّهِ ، وَمِنْ
الْمُحَالِ أَنْ يَخْتَلِفَ هَذَا وَمَنْ بَعْدَهُ فِي مَسْأَلَةٍ وَيَكُونُ
الصَّوَابُ فِيهَا مَعَ الْمُتَأَخِّرِ دُونَهُ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ
أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْغَيْرُ هُوَ الْمُحَدَّثُ بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذَا
الْحُكْمِ دُونَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَهَذَا ، وَإِنْ
أَمْكَنَ فِي أَقْرَانِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو عَصْرُهُمْ
مِنْ الْحَقِّ إمَّا عَلَى لِسَانِ عُمَرَ ، وَإِمَّا عَلَى لِسَانِ غَيْرِهِ
مِنْهُمْ ، وَإِنَّمَا الْحَالُ أَنْ يُفْتِيَ أَمِيرُالْمُؤْمِنِينَ
الْمُحَدَّثُ بِفَتْوَى أَوْ يَحْكُمَ بِحُكْمٍ وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ مِنْ
الصَّحَابَةِ غَيْرَهُ وَيَكُونُ خَطَأً ثُمَّ يُوَفَّقُ لَهُ مَنْ بَعْدَهُمْ
فَيُصِيبُ الْحَقَّ وَيُخْطِئُهُ الصَّحَابَةُ
الْوَجْهُ الثَّلَاثُونَ : مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ بَكْرِ
بْنِ عَمْرٍو عَنْ مِشْرَحِ بْنِ هَاعَانَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ :
سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { لَوْ كَانَ
بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرُ } وَفِي لَفْظٍ { لَوْ لَمْ أُبْعَثْ فِيكُمْ
لَبُعِثَ فِيكُمْ عُمَرُ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَمِنْ
الْمُحَالِ أَنْ يَخْتَلِفَ مَنْ هَذَا شَأْنُهُ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ
الْمُتَأَخِّرِينَ فِي حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ وَيَكُونُ حَظُّ عُمَرَ
مِنْهُ الْخَطَأَ وَحَظُّ ذَلِكَ الْمُتَأَخِّرِ مِنْهُ الصَّوَابَ .
الْوَجْهُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ : مَا رَوَى إسْمَاعِيلُ بْنُ
أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ قَالَ :
مَا كُنَّا نُبْعِدُ أَنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ ، وَمِنْ
الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ أَسْعَدُ
بِالصَّوَابِ مِنْهُ فِي أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَوَاهُ عَمْرُو بْنُ
مَيْمُونٍ عَنْ زِرٍّ عَنْ عَلِيٍّ .
الْوَجْهُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ : مَا رَوَاهُ وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ
عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : مَا
رَأَيْت عُمَرَ إلَّا وَكَأَنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ .
وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ هَذَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِمَّنْ لَيْسَ بِهَذِهِ
الْمَثَابَةِ .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ : مَا رَوَاهُ الْأَعْمَشُ عَنْ
شَقِيقٍ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : وَاَللَّهِ لَوْ أَنَّ عِلْمَ عُمَرَ
وُضِعَ فِي كِفَّةِ مِيزَانٍ وَجُعِلَ عِلْمُ أَهْلِ الْأَرْضِ فِي كِفَّةٍ
لَرَجَحَ عِلْمُ عُمَرَ ، فَذَكَرْت ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، فَقَالَ
: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : وَاَللَّهِ إنِّي لَأَحْسَبُ عُمَرَ ذَهَبَ بِتِسْعَةِ
أَعْشَارِ الْعِلْمِ ، وَمِنْ أَبْعَدِ الْأُمُورِ أَنْ يَكُونَ الْمُخَالِفُ
لِعُمَرَ بَعْدَ انْقِرَاضِ عَصْرِالصَّحَابَةِ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْهُ فِي
شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ : مَا رَوَاهُ ابْنُ
عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ قَالَ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ
إذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ ، وَكَانَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ السُّنَّةِ قَالَ بِهِ ،
وَإِلَّا قَالَ بِمَا قَالَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ
قَالَ بِرَأْيِهِ ، فَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ - وَاتِّبَاعُهُ لِلدَّلِيلِ
وَتَحْكِيمُهُ لِلْحُجَّةِ مَعْرُوفٌ ، حَتَّى إنَّهُ يُخَالِفُ لِمَا قَامَ
عِنْدَهُ مِنْ الدَّلِيلِ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ - يَجْعَلُ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ
وَعُمَرَ حُجَّةً يُؤْخَذُ بِهَا بَعْدَ قَوْلِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَلَمْ
يُخَالِفْهُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ .
الْوَجْهُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ : مَا رَوَاهُ مَنْصُورٌ عَنْ
زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رَضِيت لِأُمَّتِي مَا رَضِيَ لَهَا ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ }
كَذَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَعْلَى الْمُحَارِبِيُّ عَنْ زَيْدٍ عَنْ مَنْصُورٍ ،
وَالصَّوَابُ مَا رَوَاهُ إسْرَائِيلُ وَسُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ الْقَاسِمِ
بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
مُرْسَلًا ، وَلَكِنْ قَدْ رَوَى جَعْفَرُ بْنُ عَوْفٍ عَنْ الْمَسْعُودِيِّ عَنْ
جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : { قَالَ النَّبِيُّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ اقْرَأْ
عَلَيَّ قَالَ : أَقْرَأُ وَعَلَيْك أُنْزِلَ ؟ قَالَ : إنِّي أُحِبُّ أَنْ
أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي ، فَافْتَتَحَ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى إذَا بَلَغَ {
فَكَيْفَ إذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِك عَلَى
هَؤُلَاءِ شَهِيدًا } فَاضَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَكَفَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
مَسْعُودٍ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَتَكَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ ،
وَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ ، وَصَلَّى عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ، وَشَهِدَ شَهَادَةَالْحَقِّ ، وَقَالَ : رَضِينَا بِاَللَّهِ
رَبًّا ، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَرَضِيتُ لَكُمْ مَا رَضِيَ لَكُمْ ابْنُ أُمِّ
عَبْدٍ } وَمَنْ قَالَ لَيْسَ قَوْلُهُ بِحُجَّةٍ ، وَإِذَا خَالَفَهُ غَيْرُهُ
مِمَّنْ بَعْدَهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الصَّوَابُ فِي قَوْلِ الْمُخَالِفِ لَهُ
لَمْ يَرْضَ لِلْأُمَّةِ مَا رَضِيَهُ لَهُمْ ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ وَلَا مَا
رَضِيَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الْوَجْهُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ : مَا رَوَاهُ أَبُو
إِسْحَاقَ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ قَالَ : كَتَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ إلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ " قَدْ بَعَثْت إلَيْكُمْ عَمَّارَ بْنَ
يَاسِرٍ أَمِيرًا ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ مُعَلِّمًا وَوَزِيرًا ،
وَهُمَا مِنْ النُّجَبَاءِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ ، فَاقْتَدُوا بِهِمَا ، وَاسْمَعُوا قَوْلَهُمَا ،
وَقَدْ آثَرْتُكُمْ بِعَبْدِ اللَّهِ عَلَى نَفْسِي " فَهَذَا عُمَرُ قَدْ
أَمَرَ أَهْلَ الْكُوفَةِ أَنْ يَقْتَدُوا بِعَمَّارٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ
وَيَسْمَعُوا قَوْلَهُمَا ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ قَوْلَهُمَا حُجَّةً يَقُولُ :
لَا يَجِبُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمَا وَلَا سَمَاعُ أَقْوَالِهِمَا إلَّا فِيمَا
أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ لَا اخْتِصَاصَ
لَهُمَا بِهِ ، بَلْ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ غَيْرِهِمَا مِنْ
سَائِرِ الْأُمَّةِ .
الْوَجْهُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ : مَا قَالَهُ عُبَادَةُ بْنُ
الصَّامِتِ وَغَيْرُهُ : بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُ كُنَّا ، وَلَا نَخَافَ فِي
اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ وَنَحْنُ نَشْهَدُ [ بِاَللَّهِ ] أَنَّهُمْ وَفَّوْا
بِهَذِهِ الْبَيْعَةِ ، وَقَالُوا بِالْحَقِّ ، وَصَدَعُوا بِهِ ، وَلَمْ
تَأْخُذْهُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ ، وَلَمْ يَكْتُمُوا شَيْئًا مِنْهُ
مَخَافَةَ سَوْطٍ وَلَا عَصًا وَلَا أَمِيرٍ وَلَا وَالٍ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ
لِمَنْ تَأَمَّلَهُ مِنْ هَدْيِهِمْ وَسِيرَتِهِمْ ، فَقَدْ أَنْكَرَ أَبُو
سَعِيدٍ عَلَى مَرْوَانَ ، وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْمَدِينَةِ ، وَأَنْكَرَ
عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِعَلَى مُعَاوِيَةَ ، وَهُوَ خَلِيفَةٌ ،
وَأَنْكَرَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى الْحَجَّاجِ مَعَ سَطْوَتِهِ وَبَأْسِهِ ،
وَأَنْكَرَ عَلَى عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ ، وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْمَدِينَةِ ،
وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا مِنْ إنْكَارِهِمْ عَلَى الْأُمَرَاءِ وَالْوُلَاةِ إذَا
خَرَجُوا عَنْ الْعَدْلِ لَمْ يَخَافُوا سَوْطَهُمْ وَلَا عُقُوبَتَهُمْ ، وَمَنْ
بَعْدَهُمْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ ، بَلْ كَانُوا يَتْرُكُوهُ
كَثِيرًا مِنْ الْحَقِّ خَوْفًا مِنْ وُلَاةِ الظُّلْمِ وَأُمَرَاءِ الْجَوْرِ ،
فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُوَفَّقَ هَؤُلَاءِ لِلصَّوَابِ وَيُحْرَمَهُ أَصْحَابُ
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الْوَجْهُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ : مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ
حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ رَقِيَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ : إنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ
اللَّهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ
فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ : بَلْ نَفْدِيَك بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا ،
فَعَجِبْنَا لِبُكَائِهِ أَنْ يُخْبِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ عَنْ رَجُلٍ خُيِّرَ فَكَانَ الْمُخَيَّرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ } ، وَقَالَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيْنَا
فِي صُحْبَتِهِ وَذَاتِ يَدِهِ أَبُو بَكْرٍ ، وَلَوْ كُنْت مُتَّخِذًا مِنْ
أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْت أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا ، وَلَكِنَّ
أُخُوَّةَ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتَهُ ، لَا يَبْقَى فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إلَّا
سُدَّ إلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ } وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ فَوْتَ الصَّوَابِ
فِي الْفَتْوَى لِأَعْلَمْ الْأُمَّةِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَلِجَمِيعِ الصَّحَابَةِ مَعَهُ وَظَفَرَ فُلَانٍ وَفُلَانٍ مِنْ
الْمُتَأَخِّرِينَ بِهَذَا مِنْ أَمْحَلْ الْمُحَالِ ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ
قَوْلَهُ حُجَّةً يُجَوِّزُ ذَلِكَ ، بَلْ يَحْكُمُ بِوُقُوعِهِ ، وَاَللَّهُ
الْمُسْتَعَانُ .
الْوَجْهُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ : مَا رَوَاهُ زَائِدَةُ عَنْعَاصِمٍ
عَنْ زِرٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْأَنْصَارُ : مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ
أَمِيرٌ ، فَأَتَاهُمْ عُمَرُ ، قَالَ : أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَؤُمَّ
النَّاسَ ؟ قَالُوا : بَلَى ، قَالَ : فَأَيُّكُمْ تَطِيبُ نَفْسُهُ أَنْ
يَتَقَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ ؟ فَقَالُوا : نَعُوذُ بِاَللَّهِ أَنْ نَتَقَدَّمَ
أَبَا بَكْرٍ ؛ وَنَحْنُ نَقُولُ لِجَمِيعِ الْمُفْتِينَ : أَيُّكُمْ تَطِيبُ
نَفْسُهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ إذَا أَفْتَى بِفَتْوَى ، وَأَفْتَى مَنْ
قَلَّدْتُمُوهُ بِغَيْرِهَا ؟ وَلَا سِيَّمَا مَنْ قَالَ مِنْ زُعَمَائِكُمْ :
إنَّهُ يَجِبُ تَقْلِيدُ مَنْ قَلَّدْنَاهُ دِينَنَا ، وَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ أَبِي
بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، اللَّهُمَّ إنَّا نُشْهِدُك أَنَّ
أَنْفُسَنَا لَا تَطِيبُ بِذَلِكَ ، وَنَعُوذُ بِك أَنْ نَطِيبَ بِهِ نَفْسًا .
الْوَجْهُ الْأَرْبَعُونَ : مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ
الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ إذَا
أُتِيت بِقَدَحِ لَبَنٍ ، فَقِيلَ لِي : اشْرَبْ ، فَشَرِبْت مِنْهُ ، حَتَّى
إنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَجْرِي فِي أَظْفَارِي ، ثُمَّ أَعْطَيْت فَضْلَتِي
عُمَرَ ، قَالُوا : فَمَا أَوَّلْت ذَلِكَ ؟ قَالَ : الْعِلْمُ } .
وَمِنْ أَبْعَدِ الْأَشْيَاءِ أَنْ يَكُونَ الصَّوَابُ مَعَ مَنْ خَالَفَهُ فِي
فُتْيَا أَوْ حُكْمٍ لَا يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ خَالَفَهُ
فِيهِ ، وَقَدْ شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ الْوَجْهُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ : مَا ثَبَتَ فِي
الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا { أَنَّهُ وَضَعَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَضُوءًا ، فَقَالَ : مَنْ وَضَعَ هَذَا ؟ قَالُوا : ابْنُ عَبَّاسٍ ،
فَقَالَ : اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ } وَقَالَ عِكْرِمَةُ : { ضَمَّنِي
إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ
اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ } .
وَمِنْ الْمُسْتَبْعَدِ جِدًّا بَلْ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يُفْتِيَ حَبْرُ
الْأُمَّةِ وَتُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ الَّذِي دَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدَعْوَةٍ مُسْتَجَابَةٍ قَطْعًا أَنْ يُفَقِّهَهُ فِي
الدِّينِ وَيَعْلَمَهُ الْحِكْمَةَ وَلَا يُخَالِفَهُ فِيهَا أَحَدٌ مِنْ
الصَّحَابَةِ وَيَكُونُ فِيهَا عَلَى خَطَأٍ وَيُفْتِي وَاحِدٌ مِنْ
الْمُتَأَخِّرِينَ بَعْدَهُ بِخِلَافِ فَتْوَاهُ وَيَكُونُ الصَّوَابُ مَعَهُ ،
فَيَظْفَرُ بِهِ هُوَ وَمُقَلِّدُوهُ ، وَيُحْرَمُهُ ابْنُ عَبَّاسٍ
وَالصَّحَابَةُ .
الْوَجْهُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ : أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ مَا
إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْوَاقِعَةِ حَدِيثٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
، وَإِنَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ فِيهَا قَوْلًا ، وَأَفْتَى بِفُتْيَا وَلَمْ
يَعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ وَفُتْيَاهُ أَشْهَرُ فِي الْبَاقِينَ وَلَا أَنَّهُمْ
خَالَفُوهُ ، وَحِينَئِذٍ فَنَقُولُ : مَنْ تَأَمَّلَ الْمَسَائِلَ الْفِقْهِيَّةَ
، وَالْحَوَادِثَ الْفَرْعِيَّةَ ، وَتَدَرَّبَ بِمَسَالِكِهَا ، وَتَصَرَّفَ فِي
مَدَارِكِهَا ، وَسَلَكَ سُبُلَهَا ذُلُلًا ، وَارْتَوَى مِنْ مَوَارِدِهَا
عَلَلًا وَنَهَلًا ، عَلِمَ قَطْعًا أَنَّ كَثِيرًا مِنْهَا قَدْ تَشْتَبِهُ
فِيهَا وُجُوهُ الرَّأْيِ بِحَيْثُ لَا يُوثَقُ فِيهَا بِظَاهِرٍ مُرَادٍ ، أَوْ
قِيَاسٍ صَحِيحٍ يَنْشَرِحُ لَهُ الصَّدْرُ وَيُثْلَجُ لَهُ الْفُؤَادُ ، بَلْ
تَتَعَارَضُ فِيهَا الظَّوَاهِرُ وَالْأَقْيِسَةُ عَلَى وَجْهٍ يَقِفُ
الْمُجْتَهِدُ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ حَتَّى لَا يَبْقَى لِلظَّنِّ رُجْحَانٌ
بَيِّنٍ ، لَا سِيَّمَا إذَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ ؛ فَإِنَّ عُقُولَهُمْ مِنْ
أَكْمَلِ الْعُقُولِ ، وَأَوْفَرِهَا فَإِذَا تَلَدَّدُوا وَتَوَقَّفُوا ، وَلَمْ
يَتَقَدَّمُوا ، وَلَمْ يَتَأَخَّرُوا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ
طَرِيقَةٌ وَاضِحَةٌ وَلَا حُجَّةٌ لَائِحَةٌ ؛ فَإِذَا وُجِدَ فِيهَا قَوْلٌ
لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَضِيَ اللَّه
عَنْهُمْ وَاَلَّذِينَ هُمْسَادَاتُ الْأُمَّةِ ، وَقُدْوَةُ الْأَئِمَّةِ
، وَأَعْلَمُ النَّاسِ بِكِتَابِ رَبِّهِمْ تَعَالَى وَسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ وَعَرَفُوا
التَّأْوِيلَ وَنِسْبَةُ مَنْ بَعْدِهِمْ فِي الْعِلْمِ إلَيْهِمْ كَنِسْبَتِهِمْ
إلَيْهِمْ فِي الْفَضْلِ وَالدِّينِ كَانَ الظَّنُّ وَالْحَالَةُ هَذِهِ بِأَنَّ الصَّوَابَ
فِي جِهَتِهِمْ وَالْحَقَّ فِي جَانِبِهِمْ مِنْ أَقْوَى الظُّنُونِ ، وَهُوَ
أَقْوَى مِنْ الظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْأَقْيِسَةِ ، هَذَا
مَا لَا يَمْتَرِي فِيهِ عَاقِلٌ مُنْصِفٌ .وَكَانَ الرَّأْيُ الَّذِي يُوَافِقُ
رَأْيَهُمْ هُوَ الرَّأْيَ السَّدَادَ الَّذِي لَا رَأْيَ سِوَاهُ ، وَإِذَا كَانَ
الْمَطْلُوبُ فِي الْحَادِثَةِ إنَّمَا هُوَ ظَنٌّ رَاجِحٌ وَلَوْ اسْتَنَدَ إلَى
اسْتِصْحَابٍ أَوْ قِيَاسِ عِلَّةٍ أَوْ دَلَالَةٍ أَوْ شَبَهٍ أَوْ عُمُومٍ
مَخْصُوصٍ أَوْ مَحْفُوظٍ مُطْلَقٍ أَوْ وَارِدٍ عَلَى سَبَبٍ ؛ فَلَا شَكَّ أَنَّ
الظَّنَّ الَّذِي يَحْصُلُ لَنَا بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ الَّذِي لَمْ يُخَالَفْ
أَرْجَحُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الظُّنُون
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mazra3a-islam.forumarabia.com
بشار بن برد
Admin
avatar

المساهمات : 500
تاريخ التسجيل : 24/06/2011

مُساهمةموضوع: رد: سلسلة إحياء مذهب الصحابة وفقه الصحابة   الأربعاء مارس 14, 2012 4:58 pm

لِيَكُونَ
الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ }
فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ اجْتَبَاهُمْ ، وَالِاجْتِبَاءُ كَالِاصْطِفَاءِ ،
وَهُوَ افْتِعَالٌ مِنْ " اجْتَبَى الشَّيْءَ يَجْتَبِيه " إذَا ضَمَّهُ
إلَيْهِ وَحَازَهُ إلَى نَفْسِهِ ، فَهُمْ الْمُجْتَبُونَ الَّذِينَ اجْتَبَاهُمْ
اللَّهُ إلَيْهِ وَجَعَلَهُمْ أَهْلَهُ وَخَاصَّتَهُ وَصَفْوَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ
بَعْدَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ ، وَلِهَذَا أَمَرَهُمْ تَعَالَى أَنْ
يُجَاهِدُوا فِيهِ حَقَّ جِهَادِهِ ، فَيَبْذُلُوا لَهُ أَنْفُسَهُمْ ،
وَيُفْرِدُوهُ بِالْمَحَبَّةِ وَالْعُبُودِيَّةِ ، وَيَخْتَارُوهُ وَحْدَهُ إلَهًا
مَعْبُودًا مَحْبُوبًا عَلَى كُلِّ مَا سِوَاهُ كَمَا اخْتَارَهُمْ عَلَى مَنْ
سِوَاهُمْ ، فَيَتَّخِذُونَهُ وَحْدَهُ إلَهَهُمْوَمَعْبُودَهُمْ الَّذِي
يَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَجَوَارِحِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ
وَمَحَبَّتِهِمْ ، وَإِرَادَتِهِمْ ، فَيُؤْثِرُونَهُ فِي كُلِّ حَالٍ عَلَى مَنْ
سِوَاهُ ، كَمَا اتَّخَذَهُمْ عَبِيدَهُ ، وَأَوْلِيَاءَهُ ، وَأَحِبَّاءَهُ
وَآثَرَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ ، ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ تَعَالَى أَنْ
يَسَّرَ عَلَيْهِمْ دِينَهُ غَايَةَ التَّيْسِيرِ ، وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِمْ
فِيهِ مِنْ حَرَجٍ أَلْبَتَّةَ لِكَمَالِ مَحَبَّتِهِ لَهُمْ وَرَأْفَتِهِ
وَرَحْمَتِهِ وَحَنَانِهِ بِهِمْ ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِلُزُومِ مِلَّةَ إمَامِ
الْحُنَفَاءِ أَبِيهِمْ إبْرَاهِيمَ ، وَهِيَ إفْرَادُهُ تَعَالَى وَحْدَهُ
بِالْعُبُودِيَّةِ وَالتَّعْظِيمِ وَالْحُبِّ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَالتَّوَكُّلِ
وَالْإِنَابَةِ وَالتَّفْوِيضِ وَالِاسْتِسْلَامِ ؛ فَيَكُونُ تَعَلُّقُ ذَلِكَ
مِنْ قُلُوبِهِمْ بِهِ وَحْدَهُ لَا بِغَيْرِهِ ، ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ
نَوَّهَ بِهِمْ وَسَمَّاهُمْ كَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَوْجَدَهُمْ اعْتِنَاءً بِهِمْ
وَرِفْعَةً لِشَأْنِهِمْ ، وَإِعْلَاءً لِقَدْرِهِمْ ، ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى
أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِيُشْهِدَ عَلَيْهِمْ رَسُولُهُ وَيَشْهَدُوا هُمْ عَلَى
النَّاسِ ؛ فَيَكُونُونَ مَشْهُودًا لَهُمْ بِشَهَادَةِ الرَّسُولِ شَاهِدِينَ
عَلَى الْأُمَمِ بِقِيَامِ حُجَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، فَكَانَ هَذَا
التَّنْوِيهُ ، وَإِشَارَةُ الذِّكْرِ لِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ الْجَلِيلَيْنِ
وَلِهَاتَيْنِ الْحِكْمَتَيْنِ الْعَظِيمَتَيْنِ ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُمْ إذَا
كَانُوا بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَهُ تَعَالَى فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ
يَحْرِمَهُمْ كُلَّهُمْ الصَّوَابَ فِي مَسْأَلَةٍ فَيُفْتِي فِيهَا بَعْضُهُمْ
بِالْخَطَأِ ، وَلَا يُفْتِي فِيهَا غَيْرُهُ بِالصَّوَابِ ، وَيَظْفَرُ فِيهَا
بِالْهُدَى مِنْ بَعْدِهِمْ ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .
الْوَجْهُ الْحَادِيَ عَشَرَ : قَوْله تَعَالَى { : وَمَنْ
يَعْتَصِمْ بِاَللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } وَوَجْهُ
الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ الْمُعْتَصِمِينَ بِهِ
بِأَنَّهُمْ قَدْ هُدُوا إلَى الْحَقِّ ؛ فَنَقُولُ : الصَّحَابَةُ
رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مُعْتَصِمُونَبِاَللَّهِ فَهُمْ مُهْتَدُونَ
، فَاتِّبَاعُهُمْ وَاجِبٌ ، أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الْثانية فَتَقْرِيرُهَا مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا : قَوْله تَعَالَى : {
وَاعْتَصِمُوا بِاَللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ
} وَمَعْلُومٌ كَمَالُ تَوَلِّي اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ وَنَصْرُهُ إيَّاهُمْ
أَتَمَّ نُصْرَةٍ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ اعْتَصِمُوا بِهِ أَتَمَّ
اعْتِصَامٍ ، فَهُمْ مَهْدِيُّونَ بِشَهَادَةِ الرَّبِّ لَهُمْ بِلَا شَكٍّ ،
وَاتِّبَاعُ الْمَهْدِيِّ وَاجِبٌ شَرْعًا وَعَقْلًا وَفِطْرَةً بِلَا شَكٍّ ،
وَمَا يَرِدُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْ أَنَّ الْمُتَابَعَةَ لَا تَسْتَلْزِمُ
الْمُتَابَعَةَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ فَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَابُهُ .
الْوَجْهُ الثَّانِي عَشَرَ : قَوْله تَعَالَى عَنْ أَصْحَابِ
مُوسَى : { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا
وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ } فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ جَعَلَهُمْ
أَئِمَّةً يَأْتَمُّ بِهِمْ مَنْ بَعْدَهُمْ لِصَبْرِهِمْ وَيَقِينِهِمْ ؛ إذْ
بِالصَّبْرِ وَالْيَقِينِ تُنَالُ الْإِمَامَةُ فِي الدِّينِ فَإِنَّ الدَّاعِيَ
إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا يَتِمُّ لَهُ أَمْرُهُ إلَّا بِيَقِينِهِ لِلْحَقِّ
الَّذِي يَدْعُو إلَيْهِ وَبَصِيرَتِهِ بِهِ وَصَبْرِهِ عَلَى تَنْفِيذِ
الدَّعْوَةِ إلَى اللَّهِ بِاحْتِمَالِ مَشَاقِّ الدَّعْوَةِ وَكَفِّ النَّفْسِ
عَمَّا يُوهِنُ عَزْمَهُ وَيُضْعِفُ إرَادَتَهُ ، فَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ
الْمَثَابَةِ كَانَ مِنْ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ يَهْدُونَ بِأَمْرِهِ تَعَالَى
وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَحَقُّ ، وَأَوْلَى بِهَذَا الْوَصْفِ مِنْ أَصْحَابِ مُوسَى ، فَهُمْ أَكْمَلُ
يَقِينًا ، وَأَعْظَمُ صَبْرًا مِنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ ، فَهُمْ أَوْلَى
بِمَنْصِبِ هَذِهِ الْإِمَامَةِ ، وَهَذَا أَمْرٌ ثَابِتٌ بِلَا شَكٍّ بِشَهَادَةِ
اللَّهِ لَهُمْ وَثَنَائِهِ عَلَيْهِمْ ، وَشَهَادَةِ الرَّسُولِ لَهُمْ
بِأَنَّهُمْ خَيْرُ الْقُرُونِ ، وَأَنَّهُمْ خِيرَةُ اللَّهِ وَصَفْوَتُهُ ،
وَمِنْ الْمُحَالِ عَلَى مَنْ هَذَا شَأْنُهُمْ أَنْ يُخْطِئُوا كُلُّهُمْ
الْحَقَّ ، وَيَظْفَرَ بِهِ الْمُتَأَخِّرُونَ ،وَلَوْ كَانَ هَذَا
مُمْكِنًا لَانْقَلَبَتْ الْحَقَائِقُ ، وَكَانَ الْمُتَأَخِّرُونَ أَئِمَّةً
لَهُمْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الرُّجُوعُ إلَى فَتَاوِيهِمْ ، وَأَقْوَالِهِمْ ،
وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ مُحَالٌ حِسًّا وَعَقْلًا فَهُوَ مُحَالٌ شَرْعًا ،
وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
الْوَجْهُ الثَّالِثَ عَشَرَ : قَوْله تَعَالَى { : وَاَلَّذِينَ
يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ
أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إمَامًا } ، وَإِمَامٌ بِمَعْنَى قُدْوَةٍ ،
وَهُوَ يَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ كَالْأُمَّةِ وَالْأُسْوَةِ ، وَقَدْ
قِيلَ : هُوَ جَمْعُ آمِمٍ كَصَاحِبِ وَصِحَابٍ وَرَاجِلٍ وَرِجَالٍ وَتَاجِرٍ
وَتُجَّارٍ ، وَقِيلَ : هُوَ مَصْدَرٌ كَقِتَالٍ وَضِرَابٍ ، أَيْ ذَوِي إمَامٍ ،
وَالصَّوَابُ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ ، فَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ الْمُتَّقِينَ
وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِمْ ، وَالتَّقْوَى وَاجِبَةٌ ،
وَالِائْتِمَامُ بِهِمْ وَاجِبٌ ، وَمُخَالَفَتُهُمْ فِيمَا أَفْتَوْا بِهِ
مُخَالِفٌ لِلِائْتِمَامِ بِهِمْ ، وَإِنْ قِيلَ " نَحْنُ نَأْتَمُّ بِهِمْ
فِي الِاسْتِدْلَالِ وَأُصُولِ الدِّينِ " فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ جَوَابِ
هَذَا مَا فِيهِ كِفَايَةٌ
الْوَجْهُ الرَّابِعَ عَشَرَ : مَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ أَنَّهُ قَالَ : {
خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْت فِيهِمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ
يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ } فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ خَيْرَ الْقُرُونِ قَرْنَهُ مُطْلَقًا ،
وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَقْدِيمَهُمْ فِي كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْخَيْرِ ،
إلَّا لَوْ كَانُوا خَيْرًا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ ، فَلَا يَكُونُونَ خَيْرَ
الْقُرُونِ مُطْلَقًا ، فَلَوْ جَازَ أَنْ يُخْطِئَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ فِي حُكْمٍ
وَسَائِرُهُمْ لَمْ يُفْتُوا بِالصَّوَابِ - ، وَإِنَّمَا ظَفَرَ بِالصَّوَابِ
مَنْ بَعْدَهُمْ ، وَأَخْطَئُوا هُمْ - لَزِمَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقَرْنُ
خَيْرًا مِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ ؛ لِأَنَّ الْقَرْنَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى
الصَّوَابِ خَيْرٌ مِنْ الْقَرْنِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْخَطَأِ فِيذَلِكَ
الْفَنِّ ، ثُمَّ هَذَا يَتَعَدَّدُ فِي مَسَائِلَ عَدِيدَةٍ ؛ لِأَنَّ مَنْ
يَقُولُ " قَوْلُ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ " يَجُوزُ عِنْدَهُ
أَنْ يَكُونَ مَنْ بَعْدَهُمْ أَصَابَ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ قَالَ فِيهَا
الصَّحَابِيُّ قَوْلًا ، وَلَمْ يُخَالِفْهُ صَحَابِيٌّ آخَرُ ، وَفَاتَ هَذَا
الصَّوَابُ الصَّحَابَةَ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا يَأْتِي فِي مَسَائِلَ
كَثِيرَةٍ تَفُوقُ الْعَدَّ وَالْإِحْصَاءَ ، فَكَيْفَ يَكُونُونَ خَيْرًا مِمَّنْ
بَعْدَهُمْ وَقَدْ امْتَازَ الْقَرْنُ الَّذِي بَعْدَهُمْ بِالصَّوَابِ فِيمَا
يَفُوقُ الْعَدَّ وَالْإِحْصَاءَ مِمَّا أَخْطَئُوا فِيهِ ؟ وَمَعْلُومٌ أَنَّ
فَضِيلَةَ الْعِلْمِ وَمَعْرِفَةَ الصَّوَابِ أَكْمَلُ الْفَضَائِلِ ،
وَأَشْرَفُهَا ، فَيَا سُبْحَانَ اللَّهِ ، أَيُّ وَصْمَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ
يَكُونَ الصِّدِّيقُ أَوْ الْفَارُوقُ أَوْ عُثْمَانُ أَوْ عَلِيٌّ أَوْ ابْنُ
مَسْعُودٍ أَوْ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ أَوْ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ،
وَأَضْرَابُهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَدْ أَخْبَرَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ
أَنَّهُ كَيْتَ وَكَيْتَ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ ، وَأَخْطَأَ فِي ذَلِكَ ،
وَلَمْ يَشْتَمِلْ قَرْنُهُمْ عَلَى نَاطِقٍ بِالصَّوَابِ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ
حَتَّى تَبِعَ مَنْ بَعْدَهُمْ فَعَرَفُوا حُكْمَ اللَّهِ الَّذِي جَهِلَهُ
أُولَئِكَ السَّادَةُ ، وَأَصَابُوا الْحَقَّ الَّذِي أَخْطَأَهُ أُولَئِكَ
الْأَئِمَّةُ ؟ سُبْحَانَك هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ، .
الْوَجْهُ الْخَامِسَ عَشَرَ
: مَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ
حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : { صَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ مَعَ
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنَا : لَوْ جَلَسْنَا
حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ الْعِشَاءَ ، فَجَلَسْنَا ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ :
مَا زِلْتُمْ هَاهُنَا ؟ فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّيْنَا مَعَك
الْمَغْرِبَ ثُمَّ قُلْنَا نَجْلِسُ حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَك الْعِشَاءَ ، قَالَ :
أَحْسَنْتُمْ ، وَأَصَبْتُمْ وَرَفَعَ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ ، وَكَانَ
كَثِيرًا مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ ، فَقَالَ النُّجُومُ أَمَنَةٌ
لِلسَّمَاءِ ، فَإِذَا ذَهَبَتْ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ ،وَأَنَا
أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي ، فَإِذَا ذَهَبْت أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ ، وَأَصْحَابِي
أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي ، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ }



وَوَجْهُ
الِاسْتِدْلَالِ
بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ جَعَلَ نِسْبَةَ أَصْحَابِهِ إلَى
مَنْ بَعْدَهُمْ كَنِسْبَتِهِ إلَى أَصْحَابِهِ ، وَكَنِسْبَةِ النُّجُومِ إلَى
السَّمَاءِ ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذَا التَّشْبِيهَ يُعْطِي مِنْ وُجُوبِ
اهْتِدَاءِ الْأُمَّةِ بِهِمْ مَا هُوَ نَظِيرُ اهْتِدَائِهِمْ بِنَبِيِّهِمْ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَظِيرُ اهْتِدَاءِ أَهْلِ الْأَرْضِ
بِالنُّجُومِ ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ جَعَلَ بَقَاءَهُمْ بَيْنَ الْأُمَّةِ
أَمَنَةً لَهُمْ ، وَحِرْزًا مِنْ الشَّرِّ وَأَسْبَابِهِ ، فَلَوْ جَازَ أَنْ
يُخْطِئُوا فِيمَا أَفْتَوْا بِهِ وَيَظْفَرَ بِهِ مَنْ بَعْدَهُمْ لَكَانَ
الظَّافِرُونَ بِالْحَقِّ أَمَنَةً لِلصَّحَابَةِ وَحِرْزًا لَهُمْ ، وَهَذَا مِنْ
الْمُحَالِ .
الْوَجْهُ السَّادِسَ عَشَرَ : مَا رَوَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ
بْنُ بَطَّةَ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ ]قَالَ : قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ مَثَلَ أَصْحَابِي فِي
أُمَّتِي كَمَثَلِ الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ ، لَا يَصْلُحُ الطَّعَامُ إلَّا
بِالْمِلْحِ } قَالَ الْحَسَنُ : قَدْ ذَهَبَ مِلْحُنَا فَكَيْفَ نَصْلُحُ ؟
وَرَوَى ابْنُ بَطَّةَ أَيْضًا بِإِسْنَادَيْنِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ
أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَمَّنْ سَمِعَ الْحَسَنَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَثَلُ أَصْحَابِي فِي النَّاسِ كَمَثَلِ
الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ } ثُمَّ يَقُولُ الْحَسَنُ : هَيْهَاتَ ، ذَهَبَ مِلْحُ
الْقَوْمِ ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ
الْجُعْفِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى يَعْنِي إسْرَائِيلَ - عَنْ الْحَسَنِ قَالَ :
قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَثَلُ أَصْحَابِي
كَمَثَلِ الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ } قَالَ : يَقُولُ الْحَسَنُ : هَلْ يَطِيبُ
الطَّعَامُ إلَّا بِالْمِلْحِ ؟ وَيَقُولُ الْحَسَنُ : فَكَيْفَ بِقَوْمٍ ذَهَبَ
مِلْحُهُمْ ؟ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَال أَنَّهُ شَبَّهَ أَصْحَابَهُ فِيصَلَاحِ
دِينِ الْأُمَّةِ بِهِمْ بِالْمِلْحِ الَّذِي صَلَاحُ الطَّعَامِ بِهِ ، فَلَوْ
جَازَ أَنْ يُفْتُوا بِالْخَطَأِ وَلَا يَكُونُ فِي عَصْرِهِمْ مَنْ يُفْتِي
بِالصَّوَابِ وَيَظْفَرُ بِهِ مَنْ بَعْدَهُمْ لَكَانَ مَنْ بَعْدَهُمْ مِلْحًا
لَهُمْ ، وَهَذَا مُحَالٌ .
يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمِلْحَ كَمَا أَنَّ بِهِ صَلَاحَ الطَّعَامِ ؛ فَالصَّوَابُ
بِهِ صَلَاحُ الْأَنَامِ ، فَلَوْ أَخْطَئُوا فِيمَا أَفْتَوْا بِهِ لَاحْتَاجَ
ذَلِكَ إلَى مِلْحٍ يُصْلِحُهُ ، فَإِذَا أَفْتَى مَنْ بَعْدَهُمْ بِالْحَقِّ
كَانَ قَدْ أَصْلَحَ خَطَأَهُمْ فَكَانَ مِلْحًا لَهُمْ .
الْوَجْهُ السَّابِعَ عَشَرَ : مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي
صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ قَالَ : سَمِعْت أَبَا صَالِحٍ يُحَدِّثْ عَنْ
أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
{ لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي ، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ
ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ } وَفِي لَفْظٍ " فَوَاَلَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ " ، وَهَذَا خِطَابٌ مِنْهُ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ
وَلِأَقْرَانِهِ مِنْ مُسْلِمَةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَالْفَتْحِ ، فَإِذَا كَانَ
مُدُّ أَحَدِ أَصْحَابِهِ أَوْ نَصِيفُهُ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ مِثْلِ
أُحُدٍ ذَهَبًا مِنْ مِثْلِ خَالِدٍ ، وَأَضْرَابِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ فَكَيْفَ
يَجُوزُ أَنْ يَحْرِمَهُمْ اللَّهُ الصَّوَابَ فِي الْفَتَاوَى وَيَظْفَرَ بِهِ
مَنْ بَعْدَهُمْ ؟ هَذَا مِنْ أَبْيَنِ الْمُحَالِ .
الْوَجْهُ الثَّامِنَ عَشَرَ : مَا رَوَى الْحُمَيْدِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ
طَلْحَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ عُوَيْلِمِ بْنِ سَاعِدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ
النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ اخْتَارَنِي
، وَاخْتَارَ لِي أَصْحَابًا ، فَجَعَلَ لِي مِنْهُمْ وُزَرَاءَ ، وَأَنْصَارًا ،
وَأَصْهَارًا } الْحَدِيثَ ، وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُحْرِمَ اللَّهُ الصَّوَابَ
مَنْ اخْتَارَهُمْ لِرَسُولِهِ وَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَهُ ، وَأَنْصَارَهُ ،
وَأَصْهَارَهُ وَيُعْطِيَهُ مَنْ بَعْدَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ .
الْوَجْهُ التَّاسِعَ عَشَرَ : مَا رَوَىأَبُو دَاوُد
الطَّيَالِسِيُّ ثنا الْمَسْعُودِيُّ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ ابْنِ
مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : إنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ
الْعِبَادِ فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ ، فَبَعَثَهُ
بِرِسَالَتِهِ ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ
فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ فَاخْتَارَهُمْ
لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ وَنُصْرَةِ دِينِهِ ، فَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا
فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ ، وَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ قَبِيحًا فَهُوَ
عِنْدَ اللَّهِ قَبِيحٌ ، وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُخْطِئَ الْحَقَّ فِي حُكْمِ
اللَّهِ خَيْرُ قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَظْفَرَ بِهِ مَنْ بَعْدَهُمْ ، وَأَيْضًا فَإِنَّ مَا
أَفْتَى بِهِ أَحَدُهُمْ وَسَكَتَ عَنْهُ الْبَاقُونَ كُلُّهُمْ فَإِمَّا أَنْ
يَكُونُوا قَدْ رَأَوْهُ حَسَنًا أَوْ يَكُونُوا قَدْ رَأَوْهُ قَبِيحًا ، فَإِنْ
كَانُوا قَدْ رَأَوْهُ حَسَنًا فَهُوَ حَسَنٌ عِنْدَ اللَّهِ ، وَإِنْ كَانُوا
قَدْ رَأَوْهُ قَبِيحًا ، وَلَمْ يُنْكِرُوهُ لَمْ تَكُنْ قُلُوبُهُمْ مِنْ خَيْرِ
قُلُوبِ الْعِبَادِ ، وَكَانَ مَنْ أَنْكَرَهُ بَعْدَهُمْ خَيْرًا مِنْهُمْ
وَأَعْلَمَ ، وَهَذَا مِنْ أَبْيَنِ الْمُحَالِ .
الْوَجْهُ الْعِشْرُونَ : مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ
ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : مَنْ كَانَ مُتَأَسِّيًا
فَلْيَتَأَسَّ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛
فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَبَرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا ، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا
، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا ، وَأَقْوَمَهَا هَدْيًا ، وَأَحْسَنَهَا حَالًا ،
قَوْمٌ اخْتَارَهُمْ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ ، وَإِقَامَةَ دِينِهِ
فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ ، وَاتَّبِعُوا آثَارَهُمْ ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا
عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ
، وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَحْرِمَ اللَّهُ
أَبَرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا ، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا ، وَأَقَلَّهَا
تَكَلُّفًا ، وَأَقْوَمَهَا هَدْيًا الصَّوَابَ فِي أَحْكَامِهِ وَيُوَفِّقَ لَهُ
مَنْ بَعْدَهُمْ .
الْوَجْهُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ :مَا رَوَاهُ
الطَّبَرَانِيُّ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ وَغَيْرُهُمَا عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ
الْيَمَانِ أَنَّهُ قَالَ : يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ ، خُذُوا طَرِيقَ مَنْ كَانَ
قَبْلَكُمْ ، فَوَاَللَّهِ لَئِنْ اسْتَقَمْتُمْ لَقَدْ سُبِقْتُمْ سَبْقًا
بَعِيدًا ، وَلَئِنْ تَرَكْتُمُوهُ يَمِينًا وَشِمَالًا لَقَدْ ضَلَلْتُمْ
ضَلَالًا بَعِيدًا .
وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ الصَّوَابُ ، فِي غَيْرِ طَرِيقِ مَنْ سَبَقَ إلَى
كُلِّ خَيْرٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ .
الْوَجْهُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ : مَا قَالَهُ جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ
اللَّهِ لِفِرْقَةٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْخَوَارِجِ ، فَقَالُوا : نَدْعُوك
إلَى كِتَابِ اللَّهِ ، فَقَالَ : أَنْتُمْ ؟ قَالُوا : نَحْنُ ، قَالَ : أَنْتُمْ
؟ قَالُوا : نَحْنُ ، فَقَالَ : يَا أَخَابِيثَ خَلْقِ اللَّهِ فِي اتِّبَاعِنَا
تَخْتَارُونَ الضَّلَالَةَ ، أَمْ فِي غَيْرِ سُنَّتِنَا تَلْتَمِسُونَ الْهُدَى ؟
اُخْرُجُوا عَنِّي ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنْ جَوَّزَ أَنْ تَكُونَ
الصَّحَابَةُ أَخْطَئُوا فِي فَتَاوِيهمْ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَخَالَفَهُمْ فِيهَا
فَقَدْ اتَّبَعَ الْحَقَّ فِي غَيْرِ سُنَّتِهِمْ ، وَقَدْ دَعَاهُ إلَى كِتَابِ
اللَّهِ ؛ فَإِنَّ كِتَابَ اللَّهِ إنَّمَا يَدْعُو إلَى الْحَقِّ ، وَكَفَى
ذَلِكَ إزْرَاءً عَلَى نُفُوسِهِمْ وَعَلَى الصَّحَابَةِ .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ : مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
مِنْ حَدِيثِ { الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ : وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا
الْعُيُونُ ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ ، فَقَالَ قَائِلٌ : يَا رَسُولَ
اللَّهِ كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إلَيْنَا ؟ فَقَالَ
: عَلَيْكُمْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ ، وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ
حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ ، وَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ
الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي ، تَمَسَّكُوا بِهَا ، وَعَضُّوا
عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ ، فَإِنَّ
كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ } ، وَهَذَا حَدِيثٌ
حَسَنٌ ، إسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ ، فَقَرَنَ سُنَّةَخُلَفَائِهِ
بِسُنَّتِهِ ، وَأَمَرَ بِاتِّبَاعِهَا كَمَا أَمَرَ بِاتِّبَاعِ سُنَّتِهِ ،
وَبَالَغَ فِي الْأَمْرِ بِهَا حَتَّى أَمَرَ بِأَنْ يُعَضَّ عَلَيْهَا
بِالنَّوَاجِذِ ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ مَا أَفْتَوْا بِهِ وَسَنُّوهُ لِلْأُمَّةِ
، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْ نَبِيِّهِمْ فِيهِ شَيْءٌ ، وَإِلَّا كَانَ ذَلِكَ
سُنَّتَهُ ، وَيَتَنَاوَلُ مَا أَفْتَى بِهِ جَمِيعُهُمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ أَوْ
بَعْضُهُمْ لِأَنَّهُ عَلَّقَ ذَلِكَ بِمَا سَنَّهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ ،
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ لَمْ يَسُنُّوا ذَلِكَ [ وَهُمْ خُلَفَاءُ ] فِي آنٍ وَاحِدٍ
، فَعُلِمَ أَنَّ مَا سَنَّهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي وَقْتِهِ فَهُوَ مِنْ
سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ .
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
مَهْدِيٍّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ سَمِعَ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ ،
فَذَكَرَ نَحْوَهُ .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ : مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ هِلَالٍ مَوْلَى
رِبْعِيٍّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ
بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، وَاهْتَدُوا بِهَدْيِ عَمَّارٍ ، وَتَمَسَّكُوا
بِعَهْدِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ
،وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ مَا تَقَدَّمَ فِي تَقْرِيرِ الْمُتَابَعَةِ .
الْوَجْهُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ : مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي
صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ
النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إنْ يُطِعْ الْقَوْمُ أَبَا
بَكْرٍ وَعُمَرَ يَرْشُدُوا } ، وَهُوَ فِي حَدِيثِ الْمِيضَأَةِ الطَّوِيلِ ،
فَجَعَلَ الرُّشْدَ مُعَلَّقًا بِطَاعَتِهِمَا ، فَلَوْ أَفْتَوْا بِالْخَطَأِ فِي
حُكْمٍ ، وَأَصَابَهُ مَنْ بَعْدَهُمْ لَكَانَ الرُّشْدُ فِي خِلَافِهِمَا .
الْوَجْهُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَلِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي شَأْنِ
تَأْمِيرِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ وَالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ لَوْ
اتَّفَقْتُمَا عَلَى شَيْءٍ لَمْ أُخَالِفْكُمَا } فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْبِرُ أَنَّهُ لَا يُخَالِفُهُمَا لَوْ اتَّفَقَا ،
وَمَنْ يَقُولُ قَوْلَهُمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ يُجَوِّزُ مُخَالَفَتَهُمَا ،
وَبَعْضُ غُلَاتِهِمْ يَقُولُ : لَا يَجُوزُ الْأَخْذُ بِقَوْلِهِمَا وَيَجِبُ
الْأَخْذُ بِقَوْلِ إمَامِنَا الَّذِي قَلَّدْنَاهُ ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي
كُتُبِهِمْ .
الْوَجْهُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَرَ إلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ هَذَانِ
السَّمْعُ وَالْبَصَرُ } أَيْ هُمَا مِنِّي بِمَنْزِلَةِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ ،
أَوْ هُمَا مِنْ الدِّينِ بِمَنْزِلَةِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ ، وَمِنْ الْمُحَالِ
أَنْ يُحْرَمَ سَمْعُ الدِّينِ وَبَصَرُهُ الصَّوَابَ وَيَظْفَرَ بِهِ مَنْ
بَعْدَهُمَا .



الْوَجْهُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ : مَا
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ
مَكْحُولٍ عَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : { مَرَّ فَتًى
عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : نِعْمَ الْفَتَى ، قَالَ :
فَتَبِعَهُ أَبُو ذَرٍّ ، فَقَالَ : يَا فَتَى اسْتَغْفِرْ لِي ، فَقَالَ : يَا
أَبَا ذَرٍّ أَسْتَغْفِرُ لَك ، وَأَنْتَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : اسْتَغْفِرْ لِي ، قَالَ : لَا أَوْ تُخْبِرَنِي ،
قَالَ : إنَّك مَرَرْت عَلَى عُمَرَ فَقَالَ : نِعْمَ الْفَتَى ، وَإِنِّي
سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إنَّ اللَّهَ
جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ } وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ
يَكُونَ الْخَطَأُ فِي مَسْأَلَةٍ أَفْتَى بِهَا مَنْ جَعَلَ اللَّهُ الْحَقَّ
عَلَى لِسَانِهِ وَقَلْبِهِ حَظَّهُ وَلَا يُنْكِرُهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ
الصَّحَابَةِ ، وَيَكُونُ الصَّوَابُ فِيهَا حَظُّ مَنْ بَعْدَهُ ، هَذَا مِنْ
أَبْيَنِ الْمُحَالِ .
الْوَجْهُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ : مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي
صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَدْ كَانَ فِيمَنْ خَلَا مِنْ
الْأُمَمِ أُنَاسٌ مُحَدَّثُونَ ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَهُوَ
عُمَرُ } ، وَهُوَ فِي الْمُسْنَدِ وَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ
أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْمُحَدَّثُ : هُوَ الْمُتَكَلِّمُ الَّذِي يُلْقِي اللَّهُ
فِي رُوعِهِ الصَّوَابَ يُحَدِّثُهُ بِهِ الْمَلَكُ عَنْ اللَّهِ ، وَمِنْ
الْمُحَالِ أَنْ يَخْتَلِفَ هَذَا وَمَنْ بَعْدَهُ فِي مَسْأَلَةٍ وَيَكُونُ
الصَّوَابُ فِيهَا مَعَ الْمُتَأَخِّرِ دُونَهُ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ
أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْغَيْرُ هُوَ الْمُحَدَّثُ بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذَا
الْحُكْمِ دُونَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَهَذَا ، وَإِنْ
أَمْكَنَ فِي أَقْرَانِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو عَصْرُهُمْ
مِنْ الْحَقِّ إمَّا عَلَى لِسَانِ عُمَرَ ، وَإِمَّا عَلَى لِسَانِ غَيْرِهِ
مِنْهُمْ ، وَإِنَّمَا الْحَالُ أَنْ يُفْتِيَ أَمِيرُالْمُؤْمِنِينَ
الْمُحَدَّثُ بِفَتْوَى أَوْ يَحْكُمَ بِحُكْمٍ وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ مِنْ
الصَّحَابَةِ غَيْرَهُ وَيَكُونُ خَطَأً ثُمَّ يُوَفَّقُ لَهُ مَنْ بَعْدَهُمْ
فَيُصِيبُ الْحَقَّ وَيُخْطِئُهُ الصَّحَابَةُ
الْوَجْهُ الثَّلَاثُونَ : مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ بَكْرِ
بْنِ عَمْرٍو عَنْ مِشْرَحِ بْنِ هَاعَانَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ :
سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { لَوْ كَانَ
بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرُ } وَفِي لَفْظٍ { لَوْ لَمْ أُبْعَثْ فِيكُمْ
لَبُعِثَ فِيكُمْ عُمَرُ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَمِنْ
الْمُحَالِ أَنْ يَخْتَلِفَ مَنْ هَذَا شَأْنُهُ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ
الْمُتَأَخِّرِينَ فِي حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ وَيَكُونُ حَظُّ عُمَرَ
مِنْهُ الْخَطَأَ وَحَظُّ ذَلِكَ الْمُتَأَخِّرِ مِنْهُ الصَّوَابَ .
الْوَجْهُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ : مَا رَوَى إسْمَاعِيلُ بْنُ
أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ قَالَ :
مَا كُنَّا نُبْعِدُ أَنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ ، وَمِنْ
الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ أَسْعَدُ
بِالصَّوَابِ مِنْهُ فِي أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَوَاهُ عَمْرُو بْنُ
مَيْمُونٍ عَنْ زِرٍّ عَنْ عَلِيٍّ .
الْوَجْهُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ : مَا رَوَاهُ وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ
عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : مَا
رَأَيْت عُمَرَ إلَّا وَكَأَنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ .
وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ هَذَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِمَّنْ لَيْسَ بِهَذِهِ
الْمَثَابَةِ .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ : مَا رَوَاهُ الْأَعْمَشُ عَنْ
شَقِيقٍ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : وَاَللَّهِ لَوْ أَنَّ عِلْمَ عُمَرَ
وُضِعَ فِي كِفَّةِ مِيزَانٍ وَجُعِلَ عِلْمُ أَهْلِ الْأَرْضِ فِي كِفَّةٍ
لَرَجَحَ عِلْمُ عُمَرَ ، فَذَكَرْت ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، فَقَالَ
: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : وَاَللَّهِ إنِّي لَأَحْسَبُ عُمَرَ ذَهَبَ بِتِسْعَةِ
أَعْشَارِ الْعِلْمِ ، وَمِنْ أَبْعَدِ الْأُمُورِ أَنْ يَكُونَ الْمُخَالِفُ
لِعُمَرَ بَعْدَ انْقِرَاضِ عَصْرِالصَّحَابَةِ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْهُ فِي
شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ : مَا رَوَاهُ ابْنُ
عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ قَالَ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ
إذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ ، وَكَانَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ السُّنَّةِ قَالَ بِهِ ،
وَإِلَّا قَالَ بِمَا قَالَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ
قَالَ بِرَأْيِهِ ، فَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ - وَاتِّبَاعُهُ لِلدَّلِيلِ
وَتَحْكِيمُهُ لِلْحُجَّةِ مَعْرُوفٌ ، حَتَّى إنَّهُ يُخَالِفُ لِمَا قَامَ
عِنْدَهُ مِنْ الدَّلِيلِ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ - يَجْعَلُ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ
وَعُمَرَ حُجَّةً يُؤْخَذُ بِهَا بَعْدَ قَوْلِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَلَمْ
يُخَالِفْهُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ .
الْوَجْهُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ : مَا رَوَاهُ مَنْصُورٌ عَنْ
زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رَضِيت لِأُمَّتِي مَا رَضِيَ لَهَا ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ }
كَذَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَعْلَى الْمُحَارِبِيُّ عَنْ زَيْدٍ عَنْ مَنْصُورٍ ،
وَالصَّوَابُ مَا رَوَاهُ إسْرَائِيلُ وَسُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ الْقَاسِمِ
بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
مُرْسَلًا ، وَلَكِنْ قَدْ رَوَى جَعْفَرُ بْنُ عَوْفٍ عَنْ الْمَسْعُودِيِّ عَنْ
جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : { قَالَ النَّبِيُّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ اقْرَأْ
عَلَيَّ قَالَ : أَقْرَأُ وَعَلَيْك أُنْزِلَ ؟ قَالَ : إنِّي أُحِبُّ أَنْ
أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي ، فَافْتَتَحَ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى إذَا بَلَغَ {
فَكَيْفَ إذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِك عَلَى
هَؤُلَاءِ شَهِيدًا } فَاضَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَكَفَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
مَسْعُودٍ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَتَكَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ ،
وَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ ، وَصَلَّى عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ، وَشَهِدَ شَهَادَةَالْحَقِّ ، وَقَالَ : رَضِينَا بِاَللَّهِ
رَبًّا ، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَرَضِيتُ لَكُمْ مَا رَضِيَ لَكُمْ ابْنُ أُمِّ
عَبْدٍ } وَمَنْ قَالَ لَيْسَ قَوْلُهُ بِحُجَّةٍ ، وَإِذَا خَالَفَهُ غَيْرُهُ
مِمَّنْ بَعْدَهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الصَّوَابُ فِي قَوْلِ الْمُخَالِفِ لَهُ
لَمْ يَرْضَ لِلْأُمَّةِ مَا رَضِيَهُ لَهُمْ ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ وَلَا مَا
رَضِيَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الْوَجْهُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ : مَا رَوَاهُ أَبُو
إِسْحَاقَ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ قَالَ : كَتَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ إلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ " قَدْ بَعَثْت إلَيْكُمْ عَمَّارَ بْنَ
يَاسِرٍ أَمِيرًا ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ مُعَلِّمًا وَوَزِيرًا ،
وَهُمَا مِنْ النُّجَبَاءِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ ، فَاقْتَدُوا بِهِمَا ، وَاسْمَعُوا قَوْلَهُمَا ،
وَقَدْ آثَرْتُكُمْ بِعَبْدِ اللَّهِ عَلَى نَفْسِي " فَهَذَا عُمَرُ قَدْ
أَمَرَ أَهْلَ الْكُوفَةِ أَنْ يَقْتَدُوا بِعَمَّارٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ
وَيَسْمَعُوا قَوْلَهُمَا ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ قَوْلَهُمَا حُجَّةً يَقُولُ :
لَا يَجِبُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمَا وَلَا سَمَاعُ أَقْوَالِهِمَا إلَّا فِيمَا
أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ لَا اخْتِصَاصَ
لَهُمَا بِهِ ، بَلْ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ غَيْرِهِمَا مِنْ
سَائِرِ الْأُمَّةِ .
الْوَجْهُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ : مَا قَالَهُ عُبَادَةُ بْنُ
الصَّامِتِ وَغَيْرُهُ : بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُ كُنَّا ، وَلَا نَخَافَ فِي
اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ وَنَحْنُ نَشْهَدُ [ بِاَللَّهِ ] أَنَّهُمْ وَفَّوْا
بِهَذِهِ الْبَيْعَةِ ، وَقَالُوا بِالْحَقِّ ، وَصَدَعُوا بِهِ ، وَلَمْ
تَأْخُذْهُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ ، وَلَمْ يَكْتُمُوا شَيْئًا مِنْهُ
مَخَافَةَ سَوْطٍ وَلَا عَصًا وَلَا أَمِيرٍ وَلَا وَالٍ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ
لِمَنْ تَأَمَّلَهُ مِنْ هَدْيِهِمْ وَسِيرَتِهِمْ ، فَقَدْ أَنْكَرَ أَبُو
سَعِيدٍ عَلَى مَرْوَانَ ، وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْمَدِينَةِ ، وَأَنْكَرَ
عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِعَلَى مُعَاوِيَةَ ، وَهُوَ خَلِيفَةٌ ،
وَأَنْكَرَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى الْحَجَّاجِ مَعَ سَطْوَتِهِ وَبَأْسِهِ ،
وَأَنْكَرَ عَلَى عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ ، وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْمَدِينَةِ ،
وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا مِنْ إنْكَارِهِمْ عَلَى الْأُمَرَاءِ وَالْوُلَاةِ إذَا
خَرَجُوا عَنْ الْعَدْلِ لَمْ يَخَافُوا سَوْطَهُمْ وَلَا عُقُوبَتَهُمْ ، وَمَنْ
بَعْدَهُمْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ ، بَلْ كَانُوا يَتْرُكُوهُ
كَثِيرًا مِنْ الْحَقِّ خَوْفًا مِنْ وُلَاةِ الظُّلْمِ وَأُمَرَاءِ الْجَوْرِ ،
فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُوَفَّقَ هَؤُلَاءِ لِلصَّوَابِ وَيُحْرَمَهُ أَصْحَابُ
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الْوَجْهُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ : مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ
حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ رَقِيَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ : إنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ
اللَّهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ
فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ : بَلْ نَفْدِيَك بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا ،
فَعَجِبْنَا لِبُكَائِهِ أَنْ يُخْبِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ عَنْ رَجُلٍ خُيِّرَ فَكَانَ الْمُخَيَّرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ } ، وَقَالَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيْنَا
فِي صُحْبَتِهِ وَذَاتِ يَدِهِ أَبُو بَكْرٍ ، وَلَوْ كُنْت مُتَّخِذًا مِنْ
أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْت أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا ، وَلَكِنَّ
أُخُوَّةَ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتَهُ ، لَا يَبْقَى فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إلَّا
سُدَّ إلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ } وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ فَوْتَ الصَّوَابِ
فِي الْفَتْوَى لِأَعْلَمْ الْأُمَّةِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَلِجَمِيعِ الصَّحَابَةِ مَعَهُ وَظَفَرَ فُلَانٍ وَفُلَانٍ مِنْ
الْمُتَأَخِّرِينَ بِهَذَا مِنْ أَمْحَلْ الْمُحَالِ ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ
قَوْلَهُ حُجَّةً يُجَوِّزُ ذَلِكَ ، بَلْ يَحْكُمُ بِوُقُوعِهِ ، وَاَللَّهُ
الْمُسْتَعَانُ .
الْوَجْهُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ : مَا رَوَاهُ زَائِدَةُ عَنْعَاصِمٍ
عَنْ زِرٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْأَنْصَارُ : مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ
أَمِيرٌ ، فَأَتَاهُمْ عُمَرُ ، قَالَ : أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَؤُمَّ
النَّاسَ ؟ قَالُوا : بَلَى ، قَالَ : فَأَيُّكُمْ تَطِيبُ نَفْسُهُ أَنْ
يَتَقَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ ؟ فَقَالُوا : نَعُوذُ بِاَللَّهِ أَنْ نَتَقَدَّمَ
أَبَا بَكْرٍ ؛ وَنَحْنُ نَقُولُ لِجَمِيعِ الْمُفْتِينَ : أَيُّكُمْ تَطِيبُ
نَفْسُهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ إذَا أَفْتَى بِفَتْوَى ، وَأَفْتَى مَنْ
قَلَّدْتُمُوهُ بِغَيْرِهَا ؟ وَلَا سِيَّمَا مَنْ قَالَ مِنْ زُعَمَائِكُمْ :
إنَّهُ يَجِبُ تَقْلِيدُ مَنْ قَلَّدْنَاهُ دِينَنَا ، وَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ أَبِي
بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، اللَّهُمَّ إنَّا نُشْهِدُك أَنَّ
أَنْفُسَنَا لَا تَطِيبُ بِذَلِكَ ، وَنَعُوذُ بِك أَنْ نَطِيبَ بِهِ نَفْسًا .
الْوَجْهُ الْأَرْبَعُونَ : مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ
الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ إذَا
أُتِيت بِقَدَحِ لَبَنٍ ، فَقِيلَ لِي : اشْرَبْ ، فَشَرِبْت مِنْهُ ، حَتَّى
إنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَجْرِي فِي أَظْفَارِي ، ثُمَّ أَعْطَيْت فَضْلَتِي
عُمَرَ ، قَالُوا : فَمَا أَوَّلْت ذَلِكَ ؟ قَالَ : الْعِلْمُ } .
وَمِنْ أَبْعَدِ الْأَشْيَاءِ أَنْ يَكُونَ الصَّوَابُ مَعَ مَنْ خَالَفَهُ فِي
فُتْيَا أَوْ حُكْمٍ لَا يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ خَالَفَهُ
فِيهِ ، وَقَدْ شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ الْوَجْهُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ : مَا ثَبَتَ فِي
الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا { أَنَّهُ وَضَعَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَضُوءًا ، فَقَالَ : مَنْ وَضَعَ هَذَا ؟ قَالُوا : ابْنُ عَبَّاسٍ ،
فَقَالَ : اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ } وَقَالَ عِكْرِمَةُ : { ضَمَّنِي
إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ
اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ } .
وَمِنْ الْمُسْتَبْعَدِ جِدًّا بَلْ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يُفْتِيَ حَبْرُ
الْأُمَّةِ وَتُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ الَّذِي دَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدَعْوَةٍ مُسْتَجَابَةٍ قَطْعًا أَنْ يُفَقِّهَهُ فِي
الدِّينِ وَيَعْلَمَهُ الْحِكْمَةَ وَلَا يُخَالِفَهُ فِيهَا أَحَدٌ مِنْ
الصَّحَابَةِ وَيَكُونُ فِيهَا عَلَى خَطَأٍ وَيُفْتِي وَاحِدٌ مِنْ
الْمُتَأَخِّرِينَ بَعْدَهُ بِخِلَافِ فَتْوَاهُ وَيَكُونُ الصَّوَابُ مَعَهُ ،
فَيَظْفَرُ بِهِ هُوَ وَمُقَلِّدُوهُ ، وَيُحْرَمُهُ ابْنُ عَبَّاسٍ
وَالصَّحَابَةُ .
الْوَجْهُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ : أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ مَا
إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْوَاقِعَةِ حَدِيثٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
، وَإِنَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ فِيهَا قَوْلًا ، وَأَفْتَى بِفُتْيَا وَلَمْ
يَعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ وَفُتْيَاهُ أَشْهَرُ فِي الْبَاقِينَ وَلَا أَنَّهُمْ
خَالَفُوهُ ، وَحِينَئِذٍ فَنَقُولُ : مَنْ تَأَمَّلَ الْمَسَائِلَ الْفِقْهِيَّةَ
، وَالْحَوَادِثَ الْفَرْعِيَّةَ ، وَتَدَرَّبَ بِمَسَالِكِهَا ، وَتَصَرَّفَ فِي
مَدَارِكِهَا ، وَسَلَكَ سُبُلَهَا ذُلُلًا ، وَارْتَوَى مِنْ مَوَارِدِهَا
عَلَلًا وَنَهَلًا ، عَلِمَ قَطْعًا أَنَّ كَثِيرًا مِنْهَا قَدْ تَشْتَبِهُ
فِيهَا وُجُوهُ الرَّأْيِ بِحَيْثُ لَا يُوثَقُ فِيهَا بِظَاهِرٍ مُرَادٍ ، أَوْ
قِيَاسٍ صَحِيحٍ يَنْشَرِحُ لَهُ الصَّدْرُ وَيُثْلَجُ لَهُ الْفُؤَادُ ، بَلْ
تَتَعَارَضُ فِيهَا الظَّوَاهِرُ وَالْأَقْيِسَةُ عَلَى وَجْهٍ يَقِفُ
الْمُجْتَهِدُ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ حَتَّى لَا يَبْقَى لِلظَّنِّ رُجْحَانٌ
بَيِّنٍ ، لَا سِيَّمَا إذَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ ؛ فَإِنَّ عُقُولَهُمْ مِنْ
أَكْمَلِ الْعُقُولِ ، وَأَوْفَرِهَا فَإِذَا تَلَدَّدُوا وَتَوَقَّفُوا ، وَلَمْ
يَتَقَدَّمُوا ، وَلَمْ يَتَأَخَّرُوا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ
طَرِيقَةٌ وَاضِحَةٌ وَلَا حُجَّةٌ لَائِحَةٌ ؛ فَإِذَا وُجِدَ فِيهَا قَوْلٌ
لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَضِيَ اللَّه
عَنْهُمْ وَاَلَّذِينَ هُمْسَادَاتُ الْأُمَّةِ ، وَقُدْوَةُ الْأَئِمَّةِ
، وَأَعْلَمُ النَّاسِ بِكِتَابِ رَبِّهِمْ تَعَالَى وَسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ وَعَرَفُوا
التَّأْوِيلَ وَنِسْبَةُ مَنْ بَعْدِهِمْ فِي الْعِلْمِ إلَيْهِمْ كَنِسْبَتِهِمْ
إلَيْهِمْ فِي الْفَضْلِ وَالدِّينِ كَانَ الظَّنُّ وَالْحَالَةُ هَذِهِ بِأَنَّ الصَّوَابَ
فِي جِهَتِهِمْ وَالْحَقَّ فِي جَانِبِهِمْ مِنْ أَقْوَى الظُّنُونِ ، وَهُوَ
أَقْوَى مِنْ الظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْأَقْيِسَةِ ، هَذَا
مَا لَا يَمْتَرِي فِيهِ عَاقِلٌ مُنْصِفٌ .وَكَانَ الرَّأْيُ الَّذِي يُوَافِقُ
رَأْيَهُمْ هُوَ الرَّأْيَ السَّدَادَ الَّذِي لَا رَأْيَ سِوَاهُ ، وَإِذَا كَانَ
الْمَطْلُوبُ فِي الْحَادِثَةِ إنَّمَا هُوَ ظَنٌّ رَاجِحٌ وَلَوْ اسْتَنَدَ إلَى
اسْتِصْحَابٍ أَوْ قِيَاسِ عِلَّةٍ أَوْ دَلَالَةٍ أَوْ شَبَهٍ أَوْ عُمُومٍ
مَخْصُوصٍ أَوْ مَحْفُوظٍ مُطْلَقٍ أَوْ وَارِدٍ عَلَى سَبَبٍ ؛ فَلَا شَكَّ أَنَّ
الظَّنَّ الَّذِي يَحْصُلُ لَنَا بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ الَّذِي لَمْ يُخَالَفْ
أَرْجَحُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الظُّنُون
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mazra3a-islam.forumarabia.com
بشار بن برد
Admin
avatar

المساهمات : 500
تاريخ التسجيل : 24/06/2011

مُساهمةموضوع: رد: سلسلة إحياء مذهب الصحابة وفقه الصحابة   الأربعاء مارس 14, 2012 4:58 pm

وَاَلَّذِينَ
يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ
أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي الْحَامِلِ وَالْحَائِلِ ،
فَقَالَ : تَعْتَدُّ أَبْعَدَ الْأَجَلَيْنِ وَالسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ
بِخِلَافِهِ .
وَفَسَّرَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَوْله تَعَالَى { : وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ
وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ
بِهِنَّ } بِأَنَّ الصِّفَةَ لِنِسَائِكُمْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ ؛ فَلَا
تَحْرُمُ أُمُّ الْمَرْأَةِ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا ، وَالصَّحِيحُ خِلَافُ
قَوْلِهِ ، وَأَنَّ [ أُمَّ ] الْمَرْأَةِ تَحْرُمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى
ابْنَتِهَا ، وَالصِّفَةُ رَاجِعَةٌ إلَى قَوْلِهِ : { وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي
فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } وَهُوَ قَوْلُ
جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ .
وَفَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ السِّجِلَّ بِأَنَّهُ كَاتِبُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَمَّى السِّجِلَّ ، وَذَلِكَ وَهْمٌ وَإِنَّمَا السِّجِلُّ
الصَّحِيفَةُ الْمَكْتُوبَةُ ، وَاللَّامُ مِثْلُهَافِي قَوْله تَعَالَى {
؛ وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ } ، وَفِي قَوْلِ الشَّاعِرِ : فَخَرَّ صَرِيعًا
لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ أَيْ يَطْوِي السَّمَاءَ كَمَا يَطْوِي السِّجِلَّ عَلَى
مَا فِيهِ مِنْ الْكِتَابِ ، وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا ، فَكَيْفَ يَكُونُ تَفْسِيرُ
الصَّحَابِيِّ حُجَّةً فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ ؟



قِيلَ : الْكَلَامُ فِي
تَفْسِيرِهِ كَالْكَلَامِ فِي فَتْوَاهُ سَوَاءٌ ، وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ هُنَا
كَصُورَتِهَا هُنَاكَ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ ، وَصُورَتُهَا أَنْ لَا يَكُونَ فِي
الْمَسْأَلَةِ نَصٌّ يُخَالِفُهُ ، وَيَقُولُ فِي الْآيَةِ قَوْلًا لَا
يُخَالِفُهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ، سَوَاءٌ عُلِمَ لِاشْتِهَارِهِ أَوْ
لَمْ يُعْلَمْ ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ فَقَدْ فُقِدَ فِيهِ
الْأَمْرَانِ ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنْ الْفَتَاوَى
الَّتِي تُخَالِفُ النَّصَّ وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِيهَا سَوَاءٌ .
فَإِنْ قِيلَ : لَوْ كَانَ قَوْلُهُ حُجَّةً بِنَفْسِهِ لَمَا أَخْطَأَ ،
وَلَكَانَ مَعْصُومًا ؛ لِتَقُومَ الْحُجَّةُ بِقَوْلِهِ ، فَإِذَا كَانَ يُفْتِي
بِالصَّوَابِ تَارَةً وَبِغَيْرِهِ أُخْرَى ، وَكَذَلِكَ تَفْسِيرُهُ فَمِنْ
أَيْنَ لَكُمْ أَنَّ هَذِهِ الْفَتْوَى الْمُعَيَّنَةَ وَالتَّفْسِيرَ
الْمُعَيَّنَ مِنْ قِسْمِ الصَّوَابِ ؟ إذْ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَمْ
يَقُمْ عَلَى الْمَسْأَلَةِ دَلِيلٌ غَيْرُ قَوْلِهِ ، وَقَوْلُهُ يَنْقَسِمُ ،
فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ الْمُعَيَّنَ مِنْ أَحَدِ
الْقِسْمَيْنِ وَلَا بُدَّ ؟



قِيلَ : الْأَدِلَّةُ
الْمُتَقَدِّمَةُ تَدُلُّ عَلَى انْحِصَارِ الصَّوَابِ فِي قَوْلِهِ فِي
الصُّورَةِ الْمَفْرُوضَةِ الْوَاقِعَةِ ، وَهُوَ أَنَّ مِنْ الْمُمْتَنِعِ أَنْ
يَقُولُوا فِي كِتَابِ اللَّهِ الْخَطَأَ الْمَحْضَ وَيُمْسِكَ الْبَاقُونَ عَنْ
الصَّوَابِ فَلَا يَتَكَلَّمُونَ بِهِ ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ الْمَذْكُورَةُ
وَأَمْثَالُهَا قَدْ تَكَلَّمَ فِيهَا غَيْرُهُمْ بِالصَّوَابِ ، وَالْمَحْظُورُ
إنَّمَا هُوَ خُلُوُّ عَصْرِهِمْ عَنْ نَاطِقٍ بِالصَّوَابِ وَاشْتِمَالُهُ عَلَى
نَاطِقٍ بِغَيْرِهِ فَقَطْ ؛ فَهَذَا هُوَ الْمُحَالُ .
وَبِهَذَا خَرَجَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِكُمْ : لَوْ كَانَ قَوْلُ الْوَاحِدِمِنْهُمْ
حُجَّةً لَمَا جَازَ عَلَيْهِ الْخَطَأُ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ لَمْ يَكُنْ
بِمُجَرَّدِهِ حُجَّةً ، بَلْ بِمَا انْضَافَ إلَيْهِ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ
مِنْ الْقَرَائِنِ .



[ مَنْزِلَةُ قَوْلِ التَّابِعِيِّ
وَتَفْسِيرِهِ ]



فَإِنْ
قِيلَ

: فَبَعْضُ مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ الْأَدِلَّةِ يَقْتَضِي أَنَّ التَّابِعِيَّ إذَا
قَالَ قَوْلًا وَلَمْ يُخَالِفْهُ صَحَابِيٌّ وَلَا تَابِعِيٌّ أَنْ يَكُونَ
قَوْلُهُ حُجَّةً .
فَالْجَوَابُ : أَنَّ التَّابِعِينَ انْتَشَرُوا انْتِشَارًا لَا
يَنْضَبِطُ لِكَثْرَتِهِمْ ، وَانْتَشَرَتْ الْمَسَائِلُ فِي عَصْرِهِمْ ؛ فَلَا
يَكَادُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ عَدَمُ الْمُخَالِفِ لِمَا أَفْتَى بِهِ
الْوَاحِدُ مِنْهُمْ ، فَإِنْ فَرَضَ ذَلِكَ فَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي
ذَلِكَ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : يَجِبُ اتِّبَاعُ التَّابِعِيِّ فِيمَا
أَفْتَى بِهِ وَلَمْ يُخَالِفْهُ فِيهِ صَحَابِيٌّ وَلَا تَابِعِيٌّ ، وَهَذَا
قَوْلُ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ .
وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ بِأَنَّهُ قَالَهُ تَقْلِيدًا
لِعَطَاءٍ ، وَهَذَا مِنْ كَمَالِ عِلْمِهِ وَفِقْهِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ،
فَإِنَّهُ لَمْ يَجِدْ فِي الْمَسْأَلَةِ غَيْرَ قَوْلِ عَطَاءٍ ، فَكَانَ
قَوْلُهُ عِنْدَهُ أَقْوَى مَا وَجَدَ فِي الْمَسْأَلَةِ ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ
آخَرَ : وَهَذَا يَخْرُجُ عَلَى مَعْنَى قَوْلِ عَطَاءٍ ، وَالْأَكْثَرُونَ
يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الصَّحَابِيِّ وَالتَّابِعِيِّ ، وَلَا يَخْفَى مَا
بَيْنَهُمَا مِنْ الْفُرُوقِ ، عَلَى أَنَّ فِي الِاحْتِجَاجِ بِتَفْسِيرِ
التَّابِعِيِّ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَتَيْنِ ، وَمَنْ تَأَمَّلَ كُتُبَ
الْأَئِمَّةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَجَدَهَا مَشْحُونَةً بِالِاحْتِجَاجِ
بِتَفْسِيرِ التَّابِعِيِّ .



[
حُكْمُ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ إذَا خَالَفَ الْقِيَاسِ ]



فَإِنْ
قِيلَ

: فَمَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِهِ إذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ ؟ قِيلَ : مَنْ يَقُولُ
بِأَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَلَهُمْ قَوْلَانِ فِيمَا إذَا خَالَفَ
الْقِيَاسَ .
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ حُجَّةً ؛ لِأَنَّهُ قَدْ
خَالَفَ حُجَّةً شَرْعِيَّةً ، وَهُوَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي نَفْسِهِ ، وَالثَّانِي
: أَنَّهُ حُجَّةٌ فِي هَذِهِ الْحَالِ ، وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ
تَوْقِيفًا ، وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمُرْسَلِ الَّذِي عَمِلَ بِهِ مُرْسِلُهُ
.
وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ إنَّهُ حُجَّةٌ فَلَهُمْ أَيْضًا قَوْلَانِ ، أَحَدُهُمَا :
أَنَّهُ حُجَّةٌ ، وَإِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ ، بَلْ هُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى
الْقِيَاسِ ، وَالنَّصُّ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ ، فَتَرَتُّبُ الْأَدِلَّةِ
عِنْدَهُمْ : الْقُرْآنُ ، ثُمَّ السُّنَّةُ ، ثُمَّ قَوْلُ الصَّحَابَةِ ، ثُمَّ
الْقِيَاسُ ، وَالثَّانِي : لَيْسَ بِحُجَّةٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ خَالَفَهُ دَلِيلٌ
شَرْعِيٌّ ، وَهُوَ الْقِيَاسُ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً إلَّا عِنْدَ
عَدَمِ الْمُعَارِضِ ، وَالْأَوَّلُونَ يَقُولُونَ : قَوْلُ الصَّحَابِيِّ أَقْوَى
مِنْ الْمُعَارِضِ الَّذِي خَالَفَهُ مِنْ الْقِيَاسِ ؛ لِوُجُوهٍ عَدِيدَةٍ ،
وَالْأَخْذُ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ مُتَعَيِّنٌ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ )اعلام
الموقعين لابن القيم الجزء الرابع
.



والسؤال هو :هل قول الصحابة حجة ؟


والجواب : نعم
قول الصحابة حجة بدليل الكتاب والسنة والأثار عن التابعين ,وبالعقل والقياس وقد مر
معك كل ذلك ولله الحمد فلا يجوز الخروج عن قولهم بهذا الفهم والمعنى وبهذه الضوابط
المذكورة .



الفرق بين علم التفسير وعلم الفقه .


إذا ورد عن السلف تفسيران ، فهل يجوز إحداث قول ثالث ؟


وفي نظري أن إيراد هذه المسألة بهذه الصورة في كتب أصول
الفقه فيه نظر ؛ لأنه لا يفرق بين علم التفسير وعلم الفقه مع التنبيه على أن الذين
كتبوا فى أصول الفقه من أهل الكلام والاعتزال والتأويل خلافا للشافعي الذي هو أول
من ألف الرسالة فيه .



فعلم الفقه يرتبط بالعمل ، إذ يتضمن افعل أو لا تفعل ،
وهذا إما أن يكون كذا وإما أن يكون كذا ، فلا يصلح القول الثالث في كثير من الأحيان
في مجال الفقه .



أما في مجال التفسير ، فالتفسير مرتبط بالمعنى ، والمعنى
يمكن أن يتعدد ،كما يقول صاحب كتاب( رحيق من القرآن)وهو قد وفق فى هذه المسألة
فرحمه الله وغفر له ولم يكن من شرط التفسير أنَّ السابقين قد أتوا
على جميع محتملاته ، بل هناك بعض المحتملات الصحيحة التي لم يذكرها السلف ، وهذه
المحتملات تقبل إذا توفرت فيها



الضوابط
الآتية :



2 ـ أن لا يبطل قول السلف .


1 ـ أن يكون المعنى المذكور صحيحًا في ذاته .


3 ـ أن تحتمله الآية .


4 ـ أن لا يُقصر معنى الآية على هذا المحتمل الجديد ،
ويترك ما ورد عن السلف .



وإن قال قائل : هل يعني هذا جهل السلف بهذا المعنى الذي ذكره المتأخرون ؟


فالجواب : إنه لا يلزم
أن يوصف السلف بجهل المعنى الجديد ،



ولكن للمسألة
وجه آخر ، وهو أنه لو ظهرت لهم أمارات تدعو للقول به ، وتركوه ، أو قيل لهم
فاعترضوا عليه ، فإنه يمكن في هذه الحال أن يقال : لا يصلح القول به .



ومما يدل على ذلك تعدد اجتهاد السلف في طبقاتهم الثلاث (
الصحابة والتابعين وأتباع التابعين ) ، ولو كان لا يجوز القول في التفسير إلا بما
سمعوا ، لما ورد تفسير للصحابة ، ولو اكتفى التابعون بما سمعوه من الصحابة لما ورد
تفسير للتابعين ... الخ



ولو كان التفسير لا يجوز فيه الاجتهاد والإتيان بمعنى
جديد ، لكان مما بينه الرسول
صلى الله عليه وسلم ولم يتركه لمن بعده .


ومما يستأنس به في هذا المقام أن بعض السلف قد نزَّلوا
آيات على بعض أهل البدع الذين عاصروهم ، وهذا من باب الرأي ، ولو كان لا يجوز مثله
لما قالوا به ،



فالأمر فى التفسير يختلف عن غيره ولابد من الضوابط
السابقة والتقيد بها والله أعلم .



الخلاصة من البحث


·
أنه من خلال الأدلة التى سقناها من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين
والأئمة الأعلام وشيوخ الإسلام يتضح لطالب
الحق بجلاء أنه



·
يجب التقيد بقول الصحابة وفهم الصحابة رضى الله عنهم


·
أنه من ألإنصاف والعدل والتواضع والدين آلآ نقدم رأينا على رأيهم


·
أنه من التواضع وعدم الكبر أن نعرف قدرهم ومنزلتهم


·
أنه من العلم أن نعرف قدرنا ومن الجهل والتعالم أن نتعدى ذلك


·
وجوب معرفة كلٌ منا نفسه والوقوف
على حقيقتها بصدق وتجرد



·
من الغرور والطيش والسفه أن نضع أنفسنا فى مقارنة مع الصحابة


·
قراءة مناقب الصحابة وسيرهم
والتعرف على مواقفهم حتى نعرف فضلهم



·
إذا فهمنا ذلك فلا يجب الخروج عن أقوالهم ولاإحداث قول غير قولهم


·
إذا كان هذا هو مذهب بن مسعود وبن عباس وعمر بن عبد العزيز وأبو حنيفة
ومالك والشافعى وأحمد بن حنبل وبن تيمية وبن القيم وبن كثير وبن رجب وغيرهم من
الأئمة الأعلام وشيوخ الإسلام ووسعهم ذلك وارتضوه مذهبا لهم فهلا وسعنا ماوسعهم
؟ووقفنا حيث وقفوا وهم ماهم علما وعملا؟



·
ألايكفى فى بطلان هذا القول أنه لم يؤثر عن واحد من أهل السنة والجماعة؟


·
ألا يكفى فى رد هذه البدعة أنه لم يقل بها إلا أهل البدع من المعتزلة
والفلاسفة وأهل الكلام ولم تؤثر إلا عن أهل الهوى والإنحراف والضلال؟



ألا يكفينا شرفا أننا أتباع محمد صلى الله عليه وسلم
وهذا الجيل القرآنى الفريد ؟



ألا يكفينا فخرا ونسباًأننا من أهل السنة والجماعة
الطائفة المنصورة والفرقة الناجية المتمسكة بالكتاب والسنة وماكان عليه رسول الله
صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضى الله عنهم أهناك أفضل وأشرف من ذلك ؟



فياأيها الموحد اترك التقليد والتقديس وعليك بالإتباع
والأثر ففيه النجاة



وهذه دعوة إلى إحياء مذهب الصحابة والرجوع إلى فقه الصحابة ورد المسائل إلى
أُصولها التى كانت عليها فى عصر النبوة والخلافة الراشدة ,ونبذ التقليد والتقديس
لأقوال العلماء والدعاة وعدم تقديمها على الكتاب والسنة وفهم الصحابة .فيا أيها الموحد
إياك
ثم إياك وإتباع العلماء والمشايخ بغير دليل معتبر من القرآن والسنة ,ولا تغلوا
فيهم ولا تتعصب لهم ,واعلم أنهم بشر يعتريهم مايعترى البشر من خطأ وصواب ,واعلم أن
أقوال العلماء ليست دليلا يحتج به ,بل الحجة فى القرآن والسنة وفهم الصحابة لهما
,تمسك بهذا الأصل ودور معه حيث دار تنجوا
وتسلم بإذن الله,فالحق أحب إلينا من مشايخنا وعلمائنا ,مع احترامنا وتقديرنا
ودعائنا لهم بالعفو الرحمة والمغفرة ,فلا تقبل قولا إلا بدليل معتبر من القرآن
والسنة وفهم الصحابة ,والدليل الصحيح المعتبر ,هو السالم من المعارضة .وعليك بفهم
الصحابة وقول الصحابة وعمل الصحابة فهؤلاء قوم زكاهم الله ورضي عنهم واختارهم
لصحبة ونصرة نبيه,ومات النبى صلى الله عليه وسلم وهو راض عنهم ,فكن شديد اللصوق
بهم فهم أفهم خلق الله وأعلم خلق الله لكتاب الله ,فإن أردت أن يرضى الله عنك
مثلهم,فاعمل عملهم والزم غرزهم ,ويسعك ماوسعهم لعلك تحشر معهم,ولا تمجد العقل ,ولا
تقدمه على النصوص ,فالعقل محكوم بالشرع ,منقاد له ,والعقل متهم ومتغير ومتقلب
لايثبت على حال,فالشرع حاكم ,والعقل محكوم به.



واعلم
أن (صحة الفهم من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده , بل ما أعطي عبد عطاءً
بعد الإسلام أفضل ولا أجل منهما , بل هما ساقا الإسلام وقيامه عليهما , وبهما يأمن
العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم , وطريق الضالين الذين فسدت فهومهم ,
ويصير من المنعم عليهم الذين حسنت أفهامهم وقصودهم , وهم أهل الصراط المستقيم
الذين أمرنا أن نسأل الله أن يهدينا صراطهم في كل صلاة , وصحة الفهم نور يقذفه
الله في قلب العبد , يميز به بين الصحيح والفاسد , والحق والباطل , والهدى والضلال
, والغي والرشاد , ويمده حسن القصد , وتحري الحق , وتقوى الرب في السر والعلانية ,
ويقطع مادة اتباع الهوى , وإيثار الدنيا , وطلب محمدة الخلق , وترك التقوى) فالعلم
النافع هو العلم الشرعي الصحيح المسند من الكتاب والسنة الموروث عن النبي صلى الله
عليه وسلم وفهم الصحابة رضي الله عنهم , فإن الدين أتى إلينا بالنقل وصحة السند,
فهو دين اتباع وليس دين ابتداع , فمن تكلم فيه بغير دليل صحيح منقول فهو متقول على
الله بغير علم قد أهلك نفسه وأغضب ربه.



وصلى
الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم



أبو سلمان


عبد
الله بن محمد الغليفى



غليفة
– مكة المكرمة
























من مؤلفات الشيخ عبد
الله بن محمد الغليفى –رحمه الله -



أولاً سلسلة مباحث ودراسات فى
عقيدة أهل السنة والجماعة



تحقيق مسائل الإيمان والكفر
والتوحيد والشرك, صدر منها الرسائل التالية



1-مختصر الوجاء من شبهات الخوارج
والإرجاء



2-البيان والإشهار في كشف زيغ من
توقف في تكفير المشركين والكفار



(تحقيق كلام شيخي الإسلام بن تيمية
وبن عبد الوهاب في تكفير المعين والعذر بالجهل)



3-بيان حقيقة التوحيد الذي جهله
كثير من العبيد(مختارات عقدية من الدرر السنية)



4-العذر بالجهل بين ضبط السلف
واضطراب الخلف



5-مقدمة في علم التوحيد(متن في
التوحيد والشرك والإيمان والكفر)



6-التنبيهات المختصرة على المسائل
الخلافية المنتشرة, وهى أربع مسائل



حقيقة الإيمان ومنزلة أعمال
الجوارح



الحكم والتحاكم وأحوال المتحاكمين


العذر بالجهل حقيقته ومعناه


كفر تارك الصلاة


7-أثار كفر الردة على المجتمع
الإسلامي



8-أهل السنة بين مطرقة الخوارج
وسندان المرجئة



9-العذر بالجهل أسماء وأحكام


10-حكم الإسلام في العلمانية
والديمقراطية والانتخابات البرلمانية



11- مجمل أقوال السلف وكبار العلماء في ذم المرجئة والإرجاء


12-شرح نواقض الإسلام وحكم من أعان
المرتدين والأمريكان



13-فصل الكلام في الحاكمية والحكام



14-قرة عيون المجاهدين{الطريق إلى
أرض المعركة}



15- بين سيد إمام والقاعدة


16- القطبية من سيد قطب إلى عبد
المجيد الشاذلي



17- أيها الموحد من يحمل هم هذا
الدين ؟



18ثانياً: سلسلة رسائل في التوحيد وهى مجموعة رسائل في التوحيد


والولاء والبراء


والحاكمية وكفر مبدل الشريعة ,


والجهاد


ونوا قض الإسلام


وكشف الشبهات


والقواعد الأربعة


19- خماسية الجهاد(الإرشاد إلى
طريق الجهاد)كيف تكون مجاهداً سنيًا فى سبيل الله



20-الكفر بالطاغوت بين غلو الخوارج
وتفريط المرجئة



21- حكم الشريعة الغراء فى كيفية
الغسل والتكفين والدفن والعزاء



22- ثالثاً: سلسلة المسائل العلمية
المحققة صدر منها



بحث فى معنى اللعن وحقيقته و حكم
لعن المعين



مسألة تقسيم الدين إلى أصول وفروع


بحث فى معنى حديث خلق الله آدم على
صورة الرحمن



بحث فى المسح على الخفين


بحث في أن أسماء الله توقيفية
لامجال للعقل فيها



حكم الجلوس للتعزية والاجتماع عند
أهل الميت بعد دفنه



هل رأى النبى صلى الله عليه وسلم
ربه ؟



بحث فى المجاز وحقيقته


بحث فى حكم الدم وأنواعه و هل هو
طاهر أم نجس؟



بحث فى حكم جمع صلاة العصر مع
الجمعة



23- إعلام الأتقياء بتحريم
الموسيقى والغناء والفرق بين الأناشيد والحداء



24- السلفيون والثورة على أى شئ نجتمع وتحت أى راية نقف!!


25- حكم الاستفتاء على الدستور
المخالف لدين الله وما جاء به الرسول صلى
الله عليه وسلم



26-رابعاً سلسلة شوارد ومتفرقات
صدر منها



الذين سجنوا وماتوا فى السجن من
أهل الإسلام



من على جدران زنازين الطواغيت


الحملة الشعبية لإلغاء جهاز مباحث
أمن الدولة



الحقيقة التى يعرفها كل الناس


اعتكاف رغم أنوف الطواغيت


27-إلى دعاة الفضائيات


28-أسئلة وأجوبة فى الإيمان والكفر
والعذر بالجهل



29- لماذا إحياء مذهب الصحابة وفقه
الصحابة رضى الله عنهم



30- الفروق العقدية بين عقيدة
السلف وأدعياء السلفية (الفرق بين السلف والسلفية )



31- محبة الله بين الحقيقة
والإدعاء



32- أيها المسلم من قدوتك , وهل حقاً تحب رسول الله صلى الله
عليه وسلم !!!



33- بيوت مطمئنة (ثغرات فى بيوت
الدعاة)



34- وصايا نبوية فى تأمين الجبهة
الداخلية (تربية الزوجة )



35- كتاب الحقائق وفيه:


حقيقة التوحيد ...حقيقة الشرك
...حقيقة الإيمان ...حقيقة الكفر....حقيقة الإسلام



حقيقة العلمانية ...حقيقة
الديمقراطية...حقيقة القومية ...حقيقة الليبرالية...حقيقة البهائية



حقيقة القديانية..حقيقة
الصوفية..حقيقة الوطنية..حقيقة النصرانية..حقيقة الشيعة والرافضة.



36- الرد على أهل الغلو والتوقف
والتبين من كلام شيخ الإسلام بن تيمية-رحمه الله-



37- عشرون وصية على طريق
الجنة(وصايا للقادة والمجاهدين) نصرهم الله .



38- إعلام المسلمين بكفر وقتل من
سب الله واستهزأ بالدين



39- إعلام الأمة بكفر وقتل من آذى
نبى الرحمة صلى الله عليه وسلم



هذه السلاسل وغيرها من مؤلفات فضيلة الشيخ عبد الله بن
محمد الغليفى- رحمه الله تعالى - تصدرها
وتقوم على نشرها وتوزيعها دار القرآن للطبع والنشر والتوزيع بغليفة وكل من أراد
طبعها ونشرها بين المسلمين فله ذلك بدون حقوق طبع
بشرط عدم التغيير في الأصل ولا مانع من التعليق والحواشي.



والشيخ بريء من كل ما يخالف الكتاب
والسنة وماعليه الصحابة وسلف الأمة وهو راجع عنه ويهيب بكل مسلم ناصح وطالب علم
ناجح يحب الخير للمسلمين وقع على خطأ أو استدراك أو استفسار أو استفصال أن يرسل به
على البريد الإلكتروني وله منا الدعاء ومن الله خير الجزاء فالمؤمنون نصحة
والمنافقون فسقة غششة0









للتواصل ......


أبو سلمان عبد الله بن
محمد الغليفى



عبر البريد
الإلكتروني
algolayfe@yahoo.com


وقناة الغليفى algolayfe على اليوت يوب


وصفحة أبو سلمان على
الفيس بوك وتويتر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mazra3a-islam.forumarabia.com
 
سلسلة إحياء مذهب الصحابة وفقه الصحابة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مزرعة اسلامية ،منتديات الإسلام دين الرحمة :: مزرعة اسلامية المكتبة الاسلامية :: مكتبة عامة مزرعة-
انتقل الى: